تمرينات حضريّة في المشي والرّؤية
-١-
«يقوم تأويل المدينة المعاصِرة بعين المتجوِّل على الرّحلات الحضريّة (transurbances) التي شرعت بها جماعة ستوكر (Stalker) الإيطاليّة منذ منتصف التسعينيات في مدن أوروبية شتّى.
ولمّا كانت هذه الجماعة تضلّ طريقها -قصدًا- وتجول بلا غاية في تلافيف المنسيّ من عمران المدينة، فقد لاقت في جَوَلانها الفضاءات التي وسمها الدادائيون مرّة بالابتذال، والتي رأى فيها السرياليون ما أسموه لاوعي المدينة، حيث يتخلّق من مزيج الذاكرة المقموعـة، والرفض، وانعدام السيطرة، نظامٌ بعينه من الفضاءات، أرخبيلات من جزر متناثر، يُساق فيه المتجوّل لينجرف معه، كما لو كان يتيه في أقسام من مشروع «بابل الجديدة» الذي صمّمه الفنّان الهولندي كُنستنت (Constant): إنّه فضاء مترحّل ذو شعب ومسارب أشبه بشبكة من المسارات الخفيّة التي خدّدتها أقدام القطيع الحضريّ، آخذةً خِطّتها من آثار تداعي المدينة على نفسها، كأنّما هي مُستقبَل منسيّ من تلك «المستقبلات المنسيّة» التي تحدّث عنها الفنّان الأمريكي رُبرت سِمثسُن.
نمت هذه الفضاءات العابرة من تجاعيد المدينة، أراضٍ في تبدّل دائم يدور مع دوران الزمن، حيث يمكن للمرء أن يتجاوز القسمة الضاربة بجذورها في القدم بين فضاء البداوة وفضاء الاستقرار. فالأصل أنّ البداوة ما فارقت الاستقرار قط، بل تآلفت معه في جدلٍ مستمر، وها هي المدينة المعاصرة تحتضن فضاءات بدوية (فراغات) وأخرى مستقرّة (كتل)، متجاورة في توازن هشّ من الأخذ والرد.
واليوم تسكن المدينة البدوية في أحشاء المدينة المستقرّة، تقتات من بقاياها لتستحيلَ حضورًا جديدًا، طبيعةً أخرى لا تُدرك إلا إذا سُكنت. فالترحال الحضري (transurbance) إذن مثله مثل الرحلة الشاردة، هو ضرب ممّا قبل-العمارة في المشهد المعاصر»
Walkscapes: Walking as an Aesthetic Practice
By Francesco Careri
-٢-
تمرينٌ شِعريّ على المشي الرّؤية
«إن البحر [المدينة] خلقٌ عظيم يركبه خلقٌ ضعيف، دودٌ على عود، بين غَرَقٍ وبَرَق.
البَرَقُ: بالتّحريك الحَيرة والدَّهَش»
– لسان العرب
بَرَقٌ وحَيرة،
غرقٌ في مَللٍ أليف.
بَرَقٌ وحَيرة،
غرقٌ في مَللٌ أليف.
خطوتان \ مقامان أوقفتني بهما الشّوارع.
خطوة البَرَق،
أوقفتني على ما لا يُصوَّر -ما لا يحتويه إطار-
وقالت الشوارع:
اضرب بخطاك الأرض تنفتِقُ المدينة،
خطوتك الأولى صَدْعٌ ساكن في صميم الأشياء -مثل عصا ضربت بحرًا-
أمّا الصوت فدَهشةُ المألوفِ تسمعها في صوتِ الغالق،
وفي وَقعِ تناثر بلّور المدينة بعد خطوتك \ صورتك الأولى.
خطوة المَلَل،
أوقفتني على ما لا يُصوّر -ما لا يحتويه إطار-
وقالت الشوارع:
اطلب الوجهة تنرتِقُ المدينة،
خطوتك الثانية قذفٌ إلى الوجود -من أجله لا من أجلك-
لا غالقَ يشحذ دهشتك،
والمدينةُ معبرٌ بلا ملامح إلى مبتغاك.
-٣-
تمرينٌ نَظَري على المشي والرّؤية
قد يكون ثمّة شيء من الإغراء الذي يصعب مقاومته في تعريف المدينة بأنّها شبكة بالغة التعقيد من الوظائف والمعابر السريعة، في القليل على المستوى الفيزيائي منها، فهذا هو أظهر ما يظهر من المدينة عند الملاحظة الأولى.
على أنّ التعقيد هنا لا يزيد من كثافة تجربة المدينة، بل العكس، إذ يختزلها إلى فضاء انتقاليَّ بين نقاط منتثرة تُشكّل تلك الشبكة الوظيفية وتصل ما بين أطرافها.
وإذا التُفتَ إلى المدينة بهذا الإدراك فإنّما بمعايير تقيس كفاءة هذه الانتقالات، ممّا يجعل من المكان معبرًا محايدًا مقاييسه الكفاءة والزّمن.
يُجرَّد هذا المنظور المكانَ من كثافته الحسية ويسطّح من امتداده الزّمنيّ، فيُعيد إنتاج المكان كبنية تقنية خاضعة للقياس.
لكنّ طريقةً بعينها للحركة داخل المدينة تعطينا منظورًا آخر تمامًا. فبما فيه من تأنٍ وتمهّل ولامبالاة بالزّمن، يفتح المشيُ المدينةَ على آفاق أبعد، ويمكّننا من إدراكها غايةً في نفسها، وجودًا بذاته له أبعاده الجمالية والمعرفية الخاصّة.
المشيُ في هذا السّياق ليس عملًا جسديًا محضًا بل هو تمرينُ الوعي على الملاحظة، وممارسة تكشف، في تراخيها وأناتها، الفرق بين الفضاء المُمأسس والفضاء المعيش، على ما يذكره هنري لُفيفر.
فالخرائط الرسميّة، وقوانين التخطيط، وتنظيمات البنية التحتية، تشكّل جميعها «الفضاء المُمأسس» الذي يُصاغ من أعلى ويُفرَض واقعًا واحدًا على المدينة. لكن حين يتمشّى الجسد في الشوارع تتكشف طبقة أخرى هي «الفضاء المعيش» المطبوع بالأفعال والتجارب الفردية. ومن هُنا يقاوم المشي اختزال المدينة إلى مجرد جهاز وظيفي، ويعيدها حيّةً بما تشتمل عليه من تشظيات وانقطاعات ودهشة.
ولو عرّجنا على فَلتر بِنيامين، الذي ينطلق في كثير مما كتب، ولو من طرفٍ خفي، من فعل المشي، لوجدنا الكثير ممّا يمكن للمشي أن يكشفنا عليه. نجد ذلك على الأخص في مَعلَمته «مشروع الآركادات» الكتاب الذي هو نفسه يشتمل على تشظيات وانقطاعات ودهشة.(نميل إلى نقحرة هذا المفهوم، فهو آركِد وجمعه آركدات، إذ ليست كلمة رواق بموفية في تأدية المعنى، حتى نجد له تعريبًا ملائمًا)
فشخصيّة الفلانير عنده، أي ذاك المشّاء سَبهللًا دون غاية، إنّما هي جهاز بصري/اجتماعي يجوب المدينة ناظرًا إليها وكأنّما هي متحفٌ مفتوح تتضارب فيه خطابات السِّلَع والذّاكرة، كاشفةً بذلك عن تناقضات كامنة في نسيج المدينة: فالمدينة تنتج فضاءات استعراضيّة للسلع، لكنّها، في الوقت نفسه، لا تملك إلا أن تُبقي على نُتف من الماضي في المحالّ والواجهات والطرقات. وما كان المشي عند بنيامين وشخصيّته الأثيرة الفلانير مجرد حركة عابرة، بل قراءة نقدية للمدينة تُبيّن ما فيها من تناقض. إنّ كلّ ما يقع عليه المشّاء أُثارة ممّا انفلت من يدِ السّوق ظاهرةً على ملامح المكان الفيزيائيّة: آثار صغيرة أحدثتها تفاعلات السكان، أو تفاصيل منسية تملّصت من التخطيط المُفرط، أو تشققات في الجدران والشوارع والأرصفة. إنّه «الفضاء المعيش» منبعثًا من دواخل «الفضاء الممأسس» رغمًا عنه، مُحوِّلًا المشيَ والتأمّل إلى أفعال سياسيّة في جوهرها، ممارسة تقاوم اختزال المدينة وترفضُ كلّ الرفض أن ينظر إليها سلعةً للبيع والشّراء أو بنية وظيفية تخضع للحسابات العقلانيّة المجرّدة.
وعلى مستوى أبعدَ يؤدّي المشي إلى إدماج الجسد في المشهد الحضري بالمعنيين المادّي والاجتماعي معًا: فإيقاع الخُطى بما فيه من جهد جسدي، وبما ينطوي عليه من توقّفات وما يبتكره من زوايا مختلفة للرؤية، يؤكد على جانب مغفل من علاقتنا بالمدينة، من أن هذه العلاقة ليست محصورة بالخرائط الرّسمية القشيبة والانتقالات العابرة السريعة، بل هي في صميمها علاقة حسّية كأقوى ما يكون الحِس شعورًا وحرارة، ثم إن المشي ليس فعلًا فرديًا ولو كان المشّاء نفسه منفردًا، بل هو مشدود إلى عادات وثقافات وتوقّعات، تُحدّد من طُرُق إنتاج إدراكنا للفضاء. وحين يمشي مَن يمشي، فهو يدرك أن جسده ليس متلقيًا سلبيًا لما يحيطه، بل إنه يحمله معه موقعًا ينتج به المعنى في تجربة المدينة.
إن المقارنة بين المشي وأنماط التنقل الحديثة توضّح هذه المسألة. وعلى مقياس حريّة التحرّك في الفضاء نجد أدنى شيء القطار أو المترو، بما يفرضه من خطٍ واحدٍ للحركة، أمّا السيّارة فلا تزال حركتها محدودة بما ينتجه «الفضاء الممأسس» من مسالك ومسارات يقصرها عليها، ويسمح لنفسه، بما يفرضه من سلطة على إطار الرؤية، أن يصمّم المنظور المرئيّ من خلال هذا الإطار، حاجبًا ما لا يودّ أن يُرى، عارضًا قَصفًا من الإعلانات والإشارات واللوحات، مُصمّمة كلّها لتتحكّم بما يُمكن رؤيته.
ومهما كان نمط التنقل داخل مركبة، فهو يعزل الجسد دون الاتّصال المادّي بالفضاء، ممّا يحور بالمحيط إلى مشهد لاهثٍ خاطِف، أما المشي، فهو مفتوح على الانحراف والالتفاف والتيه، يسمح للجسد بأن يتباطأ أو يتوقف، أن يضلّ الطريق أو أن يطرقَ لنفسه طرقات غير متوقعة، وهذا بالضبط ما يجعل المشي ممارسة نقديّة في قلب المدينة.
وهاك تفاصيل صغيرة لا تُعاش إلّا عبر المشي: واجهة محل قديم قاوم تحولات السوق، بخطٍ قديم وملصَق إزالة يتباريان أيّهما أحق بالبقاء، جدار متصدّع تتبرعمُ فيه نباتات برّيّة لا تأبه بالأشجار المنسّقة في الطرقات السريعة، كتابات باهتة على جدرانَ في شوارع خلفيّة تقول ما تودّ المدينة قوله.
هذه العلامات ليست عَرَضية، بل تشكّل ما يمكن تسميته بالأرشيف الصّامت للمدينة، إنها بقايا تحيا في هوامش الزّمن / الفضاء الرسميّ، تمنح المشي طابع التنقيب الأركيولوجي وراء هذه الآثار الحيّة: فمواد البناء المتخالفة عُمُرًا، وطبقات الطّلاء المتراكبة، وأنواع الخطوط على اللوحات والطرز المعمارية في الأبنية، كلها تشكّل وثائق صامتة، وما المشي إلا إنطاقُ الصّامت من هذا الأرشيف. فالمبنى ليس جدارًا قائمًا وحسب، بل هو أثرُ تاريخ الاقتصاد السّياسيّ للمدينة، وليس الشّارع فراغًا عمرانيًا فارغًا، بل هو طبقة وراء طبقة من علاقات اجتماعية متشابكة. إنّ ما يكشفه المشي هو بالضبط ما يسمّيه بينامين «الصورة/الآن» التي تومض فجأة، كاشفةً امتدادات الماضي في عمق الحاضر، حيث كل خطوة تضع الحاضر في حوار مع ما سبقه، وكل التفاتة تفتح زمنًا موازيًا. وإن كان للمشي في المدينة وظيفة، فهو أن يُنتج سرديات صغيرة، أفلتت من التوثيق، تفتح الوعي على إمكانيات بديلة.
ذلك أنّ الخرائط المعيارية ومساراتها ترسم المدينة شبكةً هندسيةً محايدة، أمّا المشي، في المقابل، يُنتج خرائطه الخاصّة التي لا تلتزم بتلك المسارات: إنّها التفافات ذهنية تتبع رسوم الذاكرة.
تأتلفُ هذه الخرائط الذهنيّة من معانٍ متجذّرة في المكان، أو هي المكان حاملًا المعنى في تلافيفه، من شارع ارتبطَ بقصّة قديمة، أو ساحة اقترنت بممارسات جماعيّة متأصّلة. إنّها باختصار الأماكن والرّفاق معًا.
ولئن كان كاريري -الذي قدّمنا بترجمة مقتطف من كتابه- يرى المشي ممارسة جمالية تُنتج إدراكًا طريفًا للفضاء، فإنّ باشلار، في جماليّات المكان، قد ذهب إلى أنّ الأفضية تتشكّل أصلًا من بناء الصور الحميمية التي تثيرها وتُلهمها لا عبر حدودها المادية وحدها.
والمشي هو ما يكشف عن جماليات اليوميّ وصوره الحميميّة: فضوء يتكسّر على نافذة منسيّة، وظل شجرة يتماوج فوق جدار مُهمل، ووقع خطى تتردّد في صمت الليل وتسحب وعيك إلى زقاق فرعي لم تكن لتنتبه إليه، كل هذه اللحظات الهامشية هي ما يحفظ للمدينة إمكانية أن تُعاش كأفق جماليّ. وعلى أنّ المشي ليس في مقدوره إنتاج موضوع فنيٍّ بالمعنى التقليدي، إلّا أنه يصنع ما هو أبعد أثرًا، فهو يتسلّط على الطُرُق التي بها تُصاغ علاقة الذات بالفضاء فيعلّمنا أن الجمال ليس محصورًا على ما يُصمّم قصدًا ليكون مجتلى للرؤية، بل هو كامن في صميم الإيقاع الحسّي للمدينة.
من هذا المنظور يمكن اعتبار المشي فعلًا نقديًا قبل أن يكون ممارسة جماليّة: فهو يقوّض مركزية الزّمن وأحاديّته، ويكشف عن التناقضات بين الفضاء المُمأسس والمعيش، ويعيد المدينة إلى كثافة التجربة اليومية. وبما يعيده من اعتبار بالتفاصيل والبقايا والهوامش، وبما يمنحها من سلطة لم تكن لها لولاه، فهو يكشف ما في الخطاب الأحاديّ من فراغات وتقطّعات، ويفتح المجال أمام تجارب فردية وجماعية لتصوغ بدائل في تجربة المدينة
وبعدُ، فليس المشي حركة بطيئة في الفضاء الحضري تشتّت الزّمن وتضيعه، بل هو عملٌ نقدي في صُلبه: يعلّم كيف تُقرأ المدينة أرشيفًا متداخلًا متعددّ الطبقات، وكيف يُنظَر إلى مسارح الجمال اليومي في المدينة. فهو، بهذا المعنى، ليس طريقة للانتقال، بل إنه الشرط في إمكان إعادة اكتشاف المدينة من حيث هي نصٌ حيٌ محتاجٌ أبدًا إلى التأويل.