بينما هو يكتب “والدن” رفض ديفد هنري ثورو فكرةَ أنَّ الروحيَّ والعمليَّ أمران متضادان قائلًا: “إذا ما شيّدت قلاعًا في الهواء، فإن عملك هذا ينبغي ألَّا يضيع. إنها هناك حيث ينبغي أن تكون. لكن ضع الآن الأساسات تحتها”

بعد الأنباء حول أنَّ الأعمال الكاملة لاستديو جيبلي ستصير متاحة على نتفلكس (صدرت على دفعات منذ فبراير وحتى أبريل) جلستُ لمشاهدة وإعادة مشاهدة كلاسيكيّات الأنمي اليابانيّة، وقد وجدت كلمات ثورو ترن في أذنيّ. ذلك يعود في بعضه إلى أن استديو جيبلي قد أنتج فلمًا ساحرًا يدور بأكمله حول تلك الصورة بعينها (لابوتا: قلعة في السماء 1986) ولكن أيضًا لأن نظرة ثورو تؤكِّد على أحد الأسباب الأساسيّة خلف إغراء الأنيمي: فإن أحلامها، مهما أمعنتْ في الخيال، أبدًا ما تكون راسخةَ الأساس لا محوّمةً بلا رابط، وإن مشاعرها، وإن كانت على أرقِّ ما تكون، فهي كثيرًا مَّا تأتي بمسحةِ حُزنٍ أو شوق، أو، في أقل الأحوال، بشَوبٍ من النقصان، أمَّا شكلها الذي تكون عليه في واقعيّتها السحريّة فهو يضع أهمية عظيمة في واقعيَّته بقدر ما يأسر بمشهده السحريّ.

Hayao Miyazaki, Howl’s Moving Castle, 2004, film still. Courtesy: Studio Ghibli

إن محاولةَ شرح لم كانت أفلام استديو جيبلي بعيدة الصَّدى يتعارض مع الروح الشعرية لهذا الاستديو، حيث دائمًا مَّا يُترَك فضاءٌ مُبهَم تسبح فيه مخيّلة الجمهور.

بيد أنّ ثمة شيئًا يستحق الامتحان في تأكيد الشريك المؤسس للاستديو وعملاق الأنيمي هاياو ميازاكي على أنَّ “خلقَ عالمٍ واحد يأتي من عدد هائل من الشذرات والفوضى”. إذ ليس هنالك من نقصٍ في الفوضى الظاهرة في أماكن الأفلام الغريبة، أو في الطقوس والمخلوقات، ولكن من أين شيء، أو من أي مكان تخرج تلك الشذرات؟

 إنها يابانيّة الجوهر، فالأفلام تمضي عميقًا في تاريخ البلاد وفلكلورها وخرافاتها (على سبيل المثال، الموكب لعملية الشبح يوكاي في بوم بوكو 1994) وحكاياتها، سواء من الخيال أو الذاكرة. هنالك دائمًا نقطة مرجعيّة في الواقع، أو، على الأقل، في اعتقاد تاريخيٍّ أصيلٍ مّا، فمما يُذهِل أن تجد مقابِلًا معماريًا واقعيًا لمرجعٍ فلميِّ، مثل مبنى نوتويا ريوكان الذي كان بمثابة الإلهام لما كان سيكون من عالِم آخَر، أي بيت الاستحمام في سبيريتد أواي (2003)

Hayao Miyazaki, Spirited Away, 2001, film still. Courtesy: Studio Ghibli

بتوجيهٍ من ميازاكي وزميله المؤسس الراحل إيساو تاكاهاتا، فإنَّ الخلفيَّات والمناظر الطبيعيّة اليابانيّة المُذهلة لأفلام استوديو جيبلي إنّما كانت نتيجةً لدراساتٍ مباشرة في الميادين: من الأراضي الزراعية في بالأمس وحسب (1991) ]مطر الذكريات في إحدى الإصدارات العربيّة[ وحتى استكشافات القِفار والبراري التي أثْرَت ناوسيكا (1984) والأميرة مونونوكي (1997). لم يكن الهدف من مثل هذا البحث المكثف تحقيق الدقّة الجمالية فحسب، ولكن فهم الكيفية التي تعمل بها هذه البيئات وإمكانية التنقّل فيها. جزء من صفة الامتلاء بالعاطفة التي يجدها المشاهدون في أفلام استديو جيبلي تنبع من التعاطف والإحساس الظاهر، ليس بالشخصيّات وحسب ولكن بالبيئة المحيطة، وكيف يحتاج كلاهما، أي الشخصيات والبيئة، إلى بعضهما بعضًا في سبيل النجاة.

هناك علاقة تكاد تكون إحيائيِّة (animist) بين الشخصيّات والبيئة، علاقةٌ تتعرض للتهديد مرارًا وتكرارًا: من خلال التنمية (بوم بوكو) والحرب (قبر اليراعات 1988) والتلوث (التسمم بالزئبق كما حدث بالفعل في خليج ميناماتا وهو ما أعطى ناوسيكا انطباعات تراجيدية ولكن غامضة).

Hayao Miyazaki, Nausicaä of the Valley of the Wind, 1984, film still. Courtesy: Studio Ghibli

ومع ذلك، وبالنسبة لظاهرة ثقافية تبدو وكأنها إنِّما تجسِّد قوميَّتها، فإن اتساع استوديو جيبلي لهو مما يثير الإعجاب أيضًا.

 وإنَّ نزعة استغراب غنيَّة، ولو ذات طابِع رومانتيكي، تجاه أوروبا لتظهر في شكل عطاء، فحتى عوالم ]الاستديو[ القويَّة الأثر تبدو مستوحاة -من الناحية الشكلية- من ملصقات الخطوط الجوية القديمة.

ويمثِّل الكولاج الأوروبي، الذي يُشكل مدينة كوريكو في فلم كيكي (1989)، رؤية ميازاكي المبنيِّة على دراساته المباشرة للمدن الأوروبية، ولِمَا كانت ستكون عليه هذه القارة لو لم تمزَّق نفسها في حربين عالميتين.

ومن أبلغ الأشياء أهمّية  أن استوديو جيبلي يتعمّق ما وراء السطح. فعند إنتاج لابوتا: قلعة في السماء، على سبيل المثال، سار الاستوديو على درب جوناثان سويفت في رحلات جاليفر (1726) في سؤالهم: ماذا سيصنع الناس إذا هم تمكنوا من الوصول إلى قوى سحرية؟ لم تكن الإجابة يوتوبيَّة. يكمن هذا في جوهر استديو جيبلي وكيف أنَّ افتتانًا بما يدور في قلوب الناس هو ما يوحِّد مجمل أعمالهم الساحر والمتنوِّع. وليس ذلك مما يستدعي الاستغراب على الإطلاق، إذ تجده حتى في فلمٍ مناوئٍ للحروب مثل قلعة هاول المتحركة (2004) ولو أنه بكل تأكيد ثمة روح ضعيفة في هذا العمل.

وإذ شَهِد هاياو ميازاكي بنفسه إضراب عمال المناجم الويلزية عام 1984 ، فقد كان مستحثًا ليدمج المشاعر والبيئة التي رآها هنالك في فلم لابوتا: قلعة في السماء.

Hayao Miyazaki, Laputa: Castle in the Sky, 1986, film still. Courtesy: Studio Ghibli

إن المجازفة الكامنة في السرد القصصي الخيالي هي أنه، بما أن أي شيء من الممكن أن يحدث فيه، فإن ذلك قد ينتهي بالقوة العاطفية والتوتر الناتجان عن السيناريوهات الخطيرة إلى أن يضيعا. وبرغم أن الشخصيات قد تكون قادرة على فعل كل أنواع الأشياء الغريبة في أفلام استوديو جيبلي، إلا أن تواصلها الفعليَّ مع المشاهد إنَّما يتم عندما تواجه الشخصيّة حدودًا أو عدم يقينيَّات أو عقبات. فحتى الطفولة تبدو مكانًا للكوابيس والأعاجيب معًا، وفي فيلم ساحر مثل جاري توتورو (1988) ثمَّة جانب مظلم: فإن غياب الأم ومرضها الشديد في القصة يلقي بظلاله على الفيلم، وذلك مثلما حدث في طفولة ميازاكي، حيث نُقلت والدته إلى المشفى لفترة طويلة من الوقت جرَّاء مرضها بالسل. لم ذلك الفلم سيرة ذاتية، لكنه ليس محض خيال أيضًا.

ولعل السبب الذي يجعل المشاهدين يستثمرون بعمق في هذه العوالم الخيالية ظاهِرًا، لعل ذلك يعود إلى مفارقة إخلاص الأفلام للحياة الحقيقية.

 في ديسمبر من عام 2016 ظهر مقطع فيديو على موقع يوتيوب، حيث قدَّم ممثلو شركة تكنولوجيا متحمِّسون عرضًا لميازاكي: نموذجَ رسمةٍ ثلاثيَّة الأبعاد يُشبه الزومبي يجرُّ نفسه بطريقة غريبة على الأرض، آملين أن يحوز العرض على إعجاب ميازاكي بما له مِن تأثيرٍ صادم. وإذا به يرد عليهم بالإشارة إلى صديقٍ له معاق، وكيف أنَّه من الصعب على هذا الصديق أن يقوم بمجرد تحية بسيطة. يقول: ” أيًا يكن مَن صنع شيئًا مثل هذا فهو لا يدرك معنى الألم حقًا(…) إنّني أشعر أعمق الشعور أن في ذلك إهانة للحياة نفسها”.

إنه مقطع طريف على نحوِ مؤلم، نظرًا لمحو حماسة أولئك، لكنّه مّما يُوضّح نزاهةً ثابتة في أعمق أعماق استديو جيبلي.

إنَّ رفض اليقينيَّات الزائفة -والخطرة- حول الخير والشر، والأبطال والأشرار، والكبرياء والهوان، تلك هي العوالم التي تنمو فيها الشخصيات واقعةً في الأخطاءِ مكفرةً عنها، عوالمَ فيها يخاف الناس ويتشككون بيد أنَّهم يغامرون في المجهول على أيَّة حال، إذ يوجد الحب والجمال على الرَّغم من كل الأشياء.

وأفلام جيبلي، مهما أمعنت في الخيال البديع، فإنَّها تعلّمنا أهمّية العيش خارج كذبة الوهم المريحة.

المقالة الأصليّة https://frieze.com/article/castles-sky-studio-ghibli-netflix

Posted in

أضف تعليق