
أتعامل مع الأيَّام بهدوء، يمرُّ اليوم في طمأنينة غافية وصافية، أتراءَى لي على متن قارب خشبي صغير وسط بحيرة ساكنة تحيطها ضِفاف منحدرة، وفي الخلف، فيما وراء الضباب العائم فوق الماء، تتبدَّى أشجار بلّوط خَضِرة إلى آخِر الأفق، وأنا ثَمَّة وسط البحيرة، أجدِّف برفق وأناة كمن يخاف أن يجرح الماء، أربِّت على صفحة الماء كما أفعل مع حيوان أليف. هكذا تخيَّلتُ شكل أيّامي وهي تمضي بدون أن أحاول معرفة أساس صورة البحيرة وأشجار البلوط بالضبط -على الأغلب أنها نتيجة تداعي ذكريات وأفكار راحت تنثال بلا رابط تجمع بين مشهد من مسلسل الصياد الصغير وبين أوصاف هيسه للغابات الألمانيّة التي لا أدري، حقيقة، إن كان بها بلّوط أم لا-
مرَّ أكثر مما لا أدري كم من الأيّام منذ صدر قرار منع التجوّل، ضعفت لديَّ القدرة على تمييز الأيام فيما يبدو، فكل ما يحدث منذ ذلك الوقت هو يوم واحد يُعيد نفسه: أستيقظ وأجلس في البيت وأفعل أشياء طال العهد بها. أتمنى لو أجد في اللغة فعلًا يفي بوصف ما كنت أفعله، سأقول مُخترعًا لفظة جديدة لا بدَّ منها، إنني “أتبيَّت” في البيت، أفعل الأشياء التي لا تحدث إلّا في المنزل، وإلا في الأوقات التي يبهت فيها الإحساس بالأيَّام، مثل الذي يحدث في الإجازات الصيفيّة من أيّام المراهقة، أيَّام خاوية من أي غاية سوى التبطَّل، تنبثق حياة كاملة وتغيب مع كل شمسٍ جديدة وتُنسى إلا من ذِكرى أنها مرَّت. بدا الأسبوع قادمًا من فترة ماضية من حياتي، لم أقابلها بالاستياء الكامل ولا بالرضى المُطلق، وإن كنتُ شعرت بأني اقتربت من نفسي كثيرًا ورجع إليَّ جانب مني أوشكت أن أنساه.
أمَّا أقوى آثار الجائحة فقد دخل إلى أيَّامي على شكل وعيٍ جديد راحَ يسحب الأشياء إلى مَجاله، مثل كشَّافٍ تتسع بؤرته ونطاق ضوئه: يكبر مجال الضوء ويدخل في دائرته ما كان خارجها. أعني نوعًا جديدًا من الإدراك يتركَّز على تصرفات وأفعال ومشاهد لطالما كانت مما لا يُنتبه إليه، أشبه بانقلابٍ مّا انطلق يعبث بطريقة تلقّي الحواسّ للعالَم واهبًا الحياة منظورًا آخَر ومُنعكِسًا في كل ما أراه وأسمعه أو أخبُره نفسي، فتشدني مثلًا، وعلى نحوٍ غريب ومفاجئ، لقطة من فلمٍ مّا حيث يبدو أحدهم وهو يضغط على أحد الأزرار، وأتعجّب بعدُ إذ أرى هذا الفِعل، الموغل في العاديّة، وهو يدخل إلى عالم أفكاري مُحدثًا فيه حركة وأسئلة وتأمّلًا ذاتيًا طويلًا، وكان حقّه أن يمضي مجرّد خلفية لأفعال أهم، مجرَّد زيادة وفائض يوجد لتتسق به الأشياء، مثله مثل فكرة العالم الخارجي عند شخصٍ يجلس وراء جدران غرفته، لا يعنيه العالَم بحد ذاته وإن كان لا بد داخلًا في تفكيره.

ألاحظ هذا الوعي الجديد وهو يستولي عليَّ بينما أشاهد اثنين يتصافحان في مسلسل مّا، أتوقّف عند هذا الفعل مثل أنثربولوجي يرى إلى طقوس قبيلة بدائيّة ويذهب يتعجَّب من أمر هذا الفعل الغريب ويسأل ويؤوِّل ويضع النظريات والتفاسير: كيف نشأ ومتى وما معنى أن يُقدِّم اثنان أيادي بعضهما إلى بعض من أجل أن يضغطا عليها ويلمساها، ثم يخطر لي سؤال: هل كان يدور في خلد صانع المسلس أن ما سيجذب انتباه أحدهم في عمله هو هذا الفعل التافه بالذات؟
وأجدني أنتبه لأول مرة -وبامتعاض- أنه من الصعوبة فتح الأبواب بقدمي، فيبدو لي تصميمها بائسًا ويذهب بي الخيال إلى صورة باب له مَركَل -على وزن مِقبض- يُسهّل عمليّة فتحه بالقدم.
وفيما أنا أتأمَّل شريط الأخبار الذي لم يكن يعرض رغم تنوّع مجالاته وموضوعاته إلا أحداثًا لها صلة مّا بالجائحة، من الرياضة إلى السياسة إلى السياحة إلى أخبار التبرَّعات وتقارير الإصابات، أفكّر كيف سيبدو الأمر مِن منظور التاريخ. سيبدو الوضع رهيبًا فوق ما هو عليه، وذلك حين يُقاربه مِن لم يعش هذا الحدث في حينه ويخبره في آنه: ستتوالَى أمامه، مثلما يحدث على الشريط، أعداد الإصابات والتقارير والتأجيلات والتوقعات متلاصقة متتالية، تضغط الوقت وتُميته، يجرّ بعضها بعضًا في تتابع سريع وخانق وتملأ، في خيال ذلك المتلقّي الآتي من البعيد، أيام الأزمة بأسرها كما يملأ الماء وعاءً. وسواء مرَّ بهذا الوصف في كتب أو حكايات، بدا لي أنه ستخلو الأشياء من تنوّع الحياة اليوميّة المُذهِل والتجربة المباشِرة لمن عاش الحدث، فيختفي أثر الأزمنة والأمكنة الفعليِّ الذي يمدَّ ويمطِّط الأحداث على جغرافيَّات وأوقات متباعدة فيما بينها، فلا تبدو وكأنها تفجّرت دفعة واحد في كل مكان وفي ذات الوقت كما يشعر المشاهد للشريط الإخباري. وفكَّرت، وأنا أحتسي ما تبقى من فنجان القهوة، أن هذا هو بالفعل كل ما يجده المرء في كتب التواريخ، تحذف الأشياء التي لا بد منها وكل ما يتبقى هو هذا السرد الخاوي من آثار التجربة اليوميَّة، أعني هذا المرور البطيء للزمن، تيّار اللحظات الذي يغمر الإحساس ويستولي عليه، والذي، فيما يبدو، لا يُمكن نقله بأية حال.
أضف تعليق