(1)

الدهشة اصطدام.

لا أحد يندهش وهو يملك كامل السيطرة على نفسه، في لحظتها على الأقل، لا يُمكن أن تبقى واقفًا تمامًا، تترنَّح وتفقد توازنك ريثما تضمحلُّ آثار الصدمة الأولى، مجازًا وحقيقة.

يُمكن استنتاج تعريف سريع ممّا سبق:

 الدهشة هي ألا يكون المرء في حالة اتزان، إنها تحدث حين تظل مترنحًا من الذهول والارتباك. وأن تظلَّ مندهشًا ليومين مثلًا يعني أنك بقيت تترنَّح طوال يومين كاملين أيضًا، أن تكون شِدَّة هذا الشعور هي نفسها لم تخفت بمرور الوقت، يعني أنَّك لم تزل على نفس حالة الذهول برغم مرور الوقت الذي يُفتَرض أن يُضعِف منها، ولكنه، لأمرٍ مّا، لا يفعل، ولأنه، لأمرٍ مّا، قد فقد قوّته.

“أمر مّا”؟

تبعث الدهشة، بما هي حيرة وارتباك، على السؤال، ولكن من ناحية أخرى ميزة الدهشة الأساس هي أنه لا يُمكن تفسيرها، ويكمن جوهرها بالضبط في هذه الحقيقة: أنها غير قابلة للفهم، أنها تصدم وتذهل وتحيِّر.

هذه الطبيعة المزدوجة للاندهاش، هذا التردد بين السؤال الحتمي والإجابة المستحيلة، هو ما يستنزف أي قدرة على التفكير، ويتركك، لأمرٍ مّا، ومثل الوقت تمامًا، قد فقدت قوّتك.

(2)

مثلما يليق بظاهرة تحمل كل ذلك القدر من الدهشة، الاصطدام أيضًا هو ما يجعل السماء تكتسب لونها الأزرق.

التفسير الفيزيائي لهذه الظاهرة يُدعَى تشتت رايلي.

 تتبعثر جزيئات ضوء الشّمس إثر اصطدامها بجزيئات في الغلاف الجوّي مشكّلة هذا الانتشَار البهيج لدرجات الأزرق فوق رؤوسنا.

 في محاولة جديرة بالثناء سعى العلم إلى أن يعطي هذا المنظَر وصفًا لا يقل إبهاجًا عن مرأى اللون نفسه فسمَّاه بـ”إشعاع السّماء المنتشِر”.

 ليس الأمر و كأن كلمة سماء وحدها غير كافية في إحضار معنى الزُّرقة، أو أنه بمقدورنا من الأساس أن نتحدث عن سماء منفصلة عن اللون، ولكن هذه التسمية كفيلة بأن تملأ يومك أحلام يقظة لا تنتهي، وأن تدفعك إلى إخراج رأسك من النافذة والنظر إلى إشعاع السماء المنتشر هذا.

(3)

في كتابها A Field Guide to Getting Lost تكتب ريبيكا سولنت عن شيء تسمّيه أزق المسافة.

 تقصد اللون الذي يبدو من البعيد في غُلالَة شَفيفة حول المناظر القصيَّة، في آخِر المَدَى دونَ حافَّة الأفق وفوق ذُرَى الأشياء.

 يمثِّل أزرق المسافةِ المنطقة المستحيلة. الأفق الذي يبدو ولا يُمكن الوصول إليه، بوصفه حلمًا خالصًا وسعيًا خلف شيء لا يُمكن تحقيقه.

 أزرق المسافة إذن هو رمز إلى كل رغبة خالصة بلا محتوى، إلى البعيد الذي لا يُلمَس ولا يُطال، لأنه، إذا ما تم الوصول إليه، فإنه سرعان ما يستحيل إلى شيء آخر، ينتقل مع الأفق الذي لا يكون إلا فوق المتناول. أزرق المسافة حلم نقي، هو كل شيء يُراوح بين الحقيقة والخيال. تدفعنا هذه الحيرة واللاتحدُّد إلى أن نُسائل وضع أزرق المسافة الوجودي.

 هل أزرق المسافة موجود؟ نعم ولا. موجود كرغبة وهدف، وغير موجود كتحقق ووصول، يبدو مثل عتبة لونية تربط بين عالمنا وعالَم مسحور، نرى نصفه في الأفق ولا نرى النصف الآخَر إلا إذا أغمضنا أعيننا.

أعتقد أنّ اللون بالفعل يُمثِّل هذا البُعد الغامض الذي يُضفي على الأشياء معنى الرغبة الخالِصة. اللون أخو المسافة في جعل الشيء غريبًا وبعيدًا. وحين يجتمعان معًا في وجود واحد، لا يُمكن سوى أن يحترق المرء بلهيب رغبة مستحيلة غير محددة.

(4)

نتيجة اصطدام أزرق أيضًا لا أزال تائهًا منذ يومين، أقضي أوقاتي مندهشًا، متأمِّلًا في قُدرة اللون، ولكن الملامح أيضًا، على أن تثير الدهشة وتَهَب المعنى.

Posted in

أضف تعليق