نبات يشتهي ماء السَّماء

رأيت -فور استيقاظي هذا الصَّباح- نهاية اليوم، في انكشافٍ بدا كابيًا مثل مسافة تبقّت من البحر أمام قارب صيدٍ متعبٍ لاح له أفق اليابسة، ولكن دون أي حماسةٍ لقرب الوصول إذ يعرف الصيّادُ المنهك أنّها ليست سوى ساعات قليلة حتى يؤوب إلى الرّحلة ذاتها مرة أخرى.

 كان استيقاظًا بطعم التَّكرار، وسط الغرفة نفسها، بالوضعية نفسها، بالجو نفسه، بالرائحة والملمس والشعور، أشبه بدرسٍ ألقاه معلِّم عجوز آلاف المرَّات حتى أصبحت جملة «أكل أحمد التفاحة» لديه عملًا يُماثل النحنحة أو حكَّ الذقن أو التنهُّد، أعمال لا تنتمي إلى زمن بعينه، تتكرر في كل وقت، ويفعلها بلاوعي تام.

لقد كان الصباح أقرب إلى عودة جديدة إلى نقطةٍ في مسار دائري أكثر منه بداية

كان ذلك لولا المطر.

يتراءى لي أن المطر بالنسبة لنا هو بالأساس اغتسال غير مخطَّط، ولكن بذات الجاذبيَّة التي تكمن قبل كل شيء في حقيقة أنَّ المكوث المقصود تحت الماء تقوية لشعور المرء بذاته. إن كل اغتسال هو تحديد للذَّات. لا يوجد معنى عميق خلف الجملة السابقة، وإنَّما يعود الأمر إلى خصائص الماء الفيزيائيَّة نفسها التي تجعله يطوِّق أجسادنا إذ ينحدر على كل التفاصيل، والخطوط، والمنحنيات، فيرسم ويحدِّد ويصنع، في تحدُّره، إطارًا يفصل الجسد عن العالَم، عن طريق إنعاش مواضِع لربما كان المرء لينسى أنها تنتمي إليه لولا ملمس قطرة.

ذلك ما يفعله أيضًا الالتصاق بإنسانٍ آخَر، وبطريقةٍ لا تختلف كثيرًا، يُخلِّف الرَّكض أيضًا ذات الإحساس. تشترك كل هذه التجارب في مُتعة الشُّعور الأقصَى بالذَّات، التي لا تتأتَّى إلا في مقابلتها مع وجودٍ آخر: الماء في الاغتسال، الإنسان في الجسد الآخر، الهواء ومَلمس الأرض في الرَّكض.

لقد كان هذا كفيلًا بجعل اليوم يُخلَق في عينيَّ جديدًا.

كان صباح اليوم من الأوقات التي قال فيها باشلار «وأنَّ الإنسان، في بعض الأوقات، إلَّا نبات يشتهي ماء السَّماء» لقد كنت أنا النبات الذي اشتهَى المطر. ولكنَّه أوانُ الرَّكض، حين يضرب الجسدُ الأرضَ بعزم جَذرٍ مُصمِّم، وقتها يكون الإنسان حيًّا باخضرارِ شجرة حتى ولو كان يتحرَّك مُسرعًا.

في كل خطوة، في كل شعور ضاغط ينفذ في العضلات مثل صعقة كهربائيَّة، إنك تستشعر الأرض، تقبِّلها، تلتصق بها، وتغرق في حوارٍ صامتٍ ملموسٍ مع حكمة قديمة كان قد باعد بيننا وبينها بواعِد من وسائل النقل وسوء تخطيط المدن وبؤس الطُرقات، حالت دون أن نلمس الأرض كثيرًا في أيَّامنا، نحن الذين نعيش معلَّقين، بهشاشتنا وضعفنا، لأن لا أرضَ تحت أرجلنا تسند خطواتنا، نلمسها، نشمّها، ونشعر بها فنشعر بأنفسنا.

كان مطر اليوم في الحقيقة يُبلِّل ولا يغسل، لم يصنع لي إطارًا ولكنَّه ربَّت على وجودي وحسب. هذا ما جعل المتعة كلها بالنسبة لي مركَّزة في الرؤية لا اللمس أو الإحساس.

وبالرؤية، كانت الألوان التي تشرَّبت الطبيعة الحيَّة للأشياء وكأنَّما تغتذي عليها هي ما جعل منظر المطر ينبض بالحياة.

يا له من زمن حي من اليوم ذاك الذي تغلغلت إلى ساعاته قطرات المياه.

ذلك أن اللون مسارب، إنه عُمق، فاللون لا يلبس الأشياء كما قد يبدو، ولكنه يَعتلِقُ بها مثل عروقٍ تضرب بعيدًا في أرضٍ نديَّة، مما يجعل التشبُّع هو الصِفة المحدِّدة للَّون لا أي صفة أخرى، أي الصِفة التي لا يؤثِّر عليها شيء مثل قطرات المياه، ومن هنا فاللون ماء أو لا يكون، حتى في الاحتراق يظل اللون مائيًّا:

«أنخنَ لتغويرٍ وقد وَقَدَ الحصى

وذابَ لُعاب الشَّمس فوق الجماجِم»

يقول جرير في بيتٍ يغلي باللون الأصفر.

ولكم أصاب الصِّحَّة ذاك السَّطر الذي يقول إنَّ الأدبَ «نِتاجُ مطرٍ غريبٍ من الدَّمِ والعَرَقِ والمنيِّ والدُّموع» ذلك أنَّ الحياة نفسها لا يُمكن أن تكون سوى نتاجٍ لذلك: مطر غريب من مياه مختلفة تُحدد وجودنا.

Posted in

أضف تعليق