
يُشبِه اللَّيلُ في الخَارج -في الخَارجِ أقولُ لأنَّ الشَّمسَ في داخلِي لم تغبِ منذ أضاء لي وجهكِ- يُشبِه أن يكونَ أي شيءٍ إلَّا أن يكونَ الليل، مِمَّا يَجعلني أُسائِلُ نَفسي إن لم يكن هذا الظَّلامُ المُمتدُّ هو أنا، لأنِّي، في لحظةِ طَيشٍ فاتِنة، قرأتُ أحدهم يقول أرغبُ في أن أكون اللَّيل لأرى نومكِ بألفِ عين فبدوتِ أنتِ لي، فهمستُ في نفسي سِرًّا -كما نفعلُ في صلواتِنا- آمين. ولكنَّ الملائكة، فيما يبدو، سَمِعتْ. فهأنا اللَّيل، وهأنا أراكِ مُضاعفةً بألفِ عين.
كان اليومَ مُزدحِمًا. ولكن كانت تُشبهُك -أو تُحاول- الأشياء.
كنتِ بيني وبين العالَم، وفي لحظاتِ إشراقٍ خاطفة، كنتِ أقربَ وأشفَّ، فكنتِ بَيني وبَيني. وفي حيثُما خرجتُ من نفسي إلى الأشياء أو العكس، كان الدَّفْقُ يمرُّ مِن خِلالك، فصارت كل الأشياء شعورًا، وكل الشعور كلامًا، وكل الكلامِ اسمك. ومن أجل ذلك، فعن كل القصائد يُغني اسمك.
كان التردُّد يتلبَّسُ كُل حرف أكتبُه إليكِ، ذلك أنَّ الكلام محدودٌ أمَّا أنا فقد أخذتُكِ مِن انفجارِ اللانهاية المَديد، وهذه وَرطةٌ مع المسافة واللغة. ولأنَّ التَّردُّدَ بين النَّبرة والمعنى هو تعريفُ الشِّعر الذي أوافق عليه، فالسؤال الذي يضجُّ في داخلي الآن ليس سؤالُ هل كُنَّا حين نتحدثُّ في قصيدة، ولكن، هل كُنَّا نحنُ، بالأحرَى، القصيدة؟
يَذْهَلُ المرء مِن فعِل الأيَّام. بالوقتِ الذي يَجري مثل نهرٍ غير مُبالٍ إن كان أحدٌ ينزلُ فيه أو يتلصَّصُ عليه مختبئًا خلفَ شَجرة، دونَ أن يرتجف أو يغيَّر مَساره، فيجرفُنا ولا نملك سوى أن نُحارِب -في وَقَفاتِنا المسروقة- باللُّغة، لأنَّ بِها وجودنا ولأنَّ الأنهار لا تتكلَّم، فالأنهارُ تُغنِّي، تترنَّم، وفي سَطوةِ المَجَازِ -وانْهمارِ شَعْرِك- تَنصَبُّ الأنهارُ غير مُباليةٍ -مثلما يعرفُ شعركِ أن يفعل- إلى مُستقَرٍ لها في مسافاتٍ دائريَّة بعيدة.
أضف تعليق