على عكس ما قد يبدو لأول وهلة، للضباب دفء أليف.

ربما العدم الذي كان يحدّ مجال البصر في كل اتجاه هو ما جعل المدينة نفسها تظهر في دفء أشد زوايا البيت بعثًا على الطمأنينة: محدودة ولانهائيّة في نفس الوقت.

قرأت مرة وصفًا لأحدهم مؤدّاه أن أجلّ أهدافه كان في جعل الغرفة امتدادًا لنفسه، سمّه إن شئت تأثيث المكان بالذكريات والأحلام الذي هو الغاية الأساس من وراء ملء الغرف بالأشياء. في وقت الضباب كان هذا الهدف قريبًا للغاية، وكانت المدينة بأسرها مسرحًا لانسياح الأفكار من داخلك إلى الخارج والعكس، هناك في نقطة الغبش الذي لا يستبين آخر المدى، حيث اللاشيء يرتفع بياضًا مثل سور مدينة أسطورية، كانت الفرصة سانحة لخلق عوالم وحكايات وكائنات لانهائية، كل هذا على بعد كيلومترات معدودة منك، تعرف أنك لن تصل إليها، ولكن يكفيك منها القرب وإن كان لا يُبلَغ.

في ذلك الوقت، الأقرب من أن يكون ذكرى والأبعد من يكون حدثًا يوميًا اعتياديًا، كانت شوارع الرياض أشبه بطرقات في الروح لا شوارع مدينة، والناس، غير معتادين ومسحورين بهذا المنظر، كأفكار ملوّنة تتجول بلا غاية سوى ترقب ذرى البنايات وهي تتلاشى في البياض الشفيف. لم أكن ممتلئًا بذاتي وأنا محاط بالأشخاص بمثل تلك الحدة على الإطلاق.

Posted in

أضف تعليق