
لا تخرج إلى أي مكان وقت الغروب، هذا فخ، ستحب كل شيء ما دام يخطُر أمامك على خلفيّةِ سماءٍ تحترق بأحمرَ لا ينتهي، وستحلم بحيوات مُضاعفة وقصص ملوّنة تنبجس من خِلال السحاب ومن بين صدوع جدرانِ المدينة التي يغسلها الشَّفق، ومن حيث لا تدري، ستغرق في كل خيالٍ عذب طاف بذهنك يومًا، أمّا الخَطِر، فأنك إن غرقت فربما لن تعود.
هذا هو سبب خوف الجدات الأزلي من وقت الغروب: الوقوع في حب كل شيء والاستسلام لخَدَر الحُلم المصفَّى ألوانًا فائرة، الانسياح في حالة عدم الاتزان دون أي ضمانة، لعل الشياطين وقت الغروب ليست سوى الانفعال المفرط بدرجة اللون الصارخ، كأن الدماء في جسدك ستنتثر في كل اتجاه مثل الأحمر الذي يطفح على وجه السحاب، ومن ناحية أخرى، فالغروب هو كل ما يُمكن ليوم تعيس أن يتمناه، ينغمس وَهَنُ الوقتِ المُرخَى في هذا الاحتراق السماويِّ ليولَد نارًا حارِقة تهب اليوم معنى جديدًا، هو الذروة البَهِجة الأخيرة التي يصعد إليها اليوم تَعِسًا كان أم بهيجًا، الدرجة الختاميَّة لهذا اللحن الوقتي الذي نسميه اليوم، إنّ أقصى ما يمنحه الزمن إنّما هو وقت الغروب، ربما لأنه الخاتمة الوحيدة التي لا تعلن عن نفسها بقطعيَّة حادَّة، أمر يشبه صدى يُسافرُ الآفاقَ موجةً خلف أخرى، حتى لو انتهى سمعنا عن آخرها خلق الوهم موجة تالية، وأين هي النهاية في كل هذا؟ لا أحد يستطيع تحديدها، ومثل الصَّدى أيضًا، يدور آخر الغروب على أوله، يخفت ويتشتت ويتناثر، لكن لا ينقطع فجأة، يتفجّر في المدى لونًا يؤوب إلى لونٍ ينسرب في لونٍ ينطبق على لونٍ في هروب أبديّ للألوان، حتى يخرج عن خارج اللغة، في عالم ما لا نستطيع أن نسميه، ولعل هذا هو الحزن الوحيد الذي يُحضره الغروب، ليس حزن النهاية، ولكن حزنُ مالا يُسمَّى.
أضف تعليق