للانتظار زمنان: زمنٌ مفروضٌ وزمن نختاره، وإن كنت تسأل كيف تختار وقت انتظارك؟ ففي المشي المتبطّل، ومراقبة ظلال الأشجار القمريَّة ليلًا، ومطاردة القصص خلف ملامح العابرين في خمود الشوارع بعد الواحدة صباحًا. نصف ساعة من المشي كفيلة بأن توصلك إلى هامش الزّمن، في وقت خارج عن اليوم وكل الأيّام، وقت لن تجده في التقويم، إذ هو بالمكان أشبه، كلما عُدت إليه وجدته نفسه.

لشدَّ ما يلفت انقلاب الأشياء بفعل هذا الإيقاع البسيط المتمثل في توالي خطوتين. الرياض ليلًا لا تشبه نفسها، والمشي يجعل الشوارع غير الشوارع، والناس وقتها مخلوقات أخرى لا تخرج إلا ذلك الحين.

وَقفتْ هذه الفكرة على الحافّة الأخيرة في ذهنه، لو نطق بها شخص آخر، شخص واحد وحسب، أن تتجسّد هذه الفكرة في موجات صوتية تأتيه من ناحية أخرى غير نفسِه، كان هذا كفيلًا بأن يجعله يظن أنه سقط في عالم آخر بالفعل، عالَمٌ لليل والمشي واكتشافات غريبة.

تجد هناك سِحرَ الأضواء الاصطناعية للمدينة يتجلّى في احتفال كرنفالي بالأبعاد: نقاط معلقة في فراغ بهيم، حاول أن تراها كذلك وستفهم أن الليل نسيجٌ واحد، لا يكتسب عمقه إلا بانتثار هذه النقاط، أضواء الأبراج العُليا، قوانين المنظور التي تجعلك ترى لمبات الشوارع صغيرة كبيرة، متجاورة على خط واحد، ولكن صغيرة وكبيرة.

لو أن طفلًا يشاهد هذا المنظر لأول مرة لم يكن ليفهم إلا أنه أمام ضوءين يختلفان في الشدة، بالنسبة له لا بعد ولا قرب، فالليل سطح أملس مستوٍ، لا يخترق عتمته سوى المشي، لا يجرح سواده مثل الصوت الذي تتلقّاه أُذُنا مشّاء، يتحوّل وجود المشّاء شيئا فشيئًا إلى حاسّة السمع، وفي لحظات معيّنة، يتشكل الوجود بالكامل وفق بعد واحد هو الصوت، هذا الامتداد، الأرض الغريبة الأبعاد، أرض الصوت المرسومة بالخطوط وحسب لو كان النظر يعطينا الأشكال في أبعادها الثلاثة، وفق السمع، أنت تسير على خطين مثل قضيبي سكة قطار، يلتويان، يتغير الاتجاه، ولكن المسار واحد ومحدد. لعل الوقت الذي اخترته للانتظار هو كل ما يتبقى من اليوم، لولاه، لذهب اليوم في طيّ التشابه والنسيان.

كل الأيّام تشبه بعضها إلا يوم مشيتَ فيه ليلًا.

Posted in

أضف تعليق