بسببٍ من معضلةٍ عويصةٍ ترجع في جُملتها وتفصيلها إلى هجران الكتابة دونما عِلّة ظاهرة أو سبب خفيّ أو حكمة باهرة أو سِر مطويّ أو نكتة لطيفة أو باعثٍ قوي- أقول إنّي أورثت صعوبةً في معالجة الكلمات. أعني أنّ الكلمات تنزلق من بين يديّ كلّما أردتُها على أن تثبت، تنحرف الكلمة عن مقصدي في أغلب الأحيان، وينسرِبُ المعنى من خَللها في أحيان أخرى، والنتيجة، في المحصّلة، واحدة.
ولقد وَجدتُني، منذ سنوات، ولكن دونما عِلّة ظاهرة أو سبب خفيّ …الخ أوثر أن أحمل المعنى في ساقيّ وأدحرجه -ملاعبًا ملاطفًا- على مِشط قَدمي. أمّا كيف ينحدرُ المعنى من اللفظ الذي هو كلمة إلى التلافظ الذي هو بين قدمين، ومن اللغة التي هي سكون وثبات إلى المشي الذي هو اضطراب وحركة، فهذا ممّا يَشده ويَبده، وتعجز عنه العِبارة ولا تخترمه الإشارة، ولقد حاوله قبلك قومٌ دُعُوا بالإستركشوَلِسْتس فضلّوا وأضلّوا. نعوذ بالله من العُجمة.
وهأنذا أقول لكَ (لا أعني أنّ المخاطَب ذكر ولكن بهذا الضّمير جرت العادة) وقد قرأتَ حتّى اللحظة شيئًا وفاتت عنك أشياء ليست بأجدى عليك مما قرأت: انجُ بنفسك، وتلاحق عُمُرك، وأدرك أيّامك التي منها كُنت وبها تكون وإليها تصير، فإنّما أنتَ أيّام، والأيّام ساعات، وكلّما ذهبت ساعة ذهب بعضك، فأغلِق المتصفّح عن هذا الذي أكتب وتصفّح دخيلة نفسك، واخرج من المستعرِض (في تعريب آخر للوِب) واستعرض أحوالك وأطوارك، فإنّ لك بك لو عقلتَ شُغلًا، ومنك إليك لو أدركتَ غاية، والخاسِر من ضلّ نفسه التي بين جنبيه. نعوذ بالله من الخِذلان.
على أنّكِ (لا أعني أنّ المخاطَب أنثى ولكن بدا لي أن أستعمل هذا الضّمير) لو شِئتِ لقُلتِ -ولأُنصِتَ إليكِ وصُدِّقتِ- إنّ الكاتب أولى بهذا النُصح، وأجدر لو هو وعى أن ينتصح، وأحرى إن هو انتصح أن يعمل بما عَلِم، ثم شتّان بين مَن ينقر على اللوحِ حرفًا حرفًا، ويرقم الجُمل سطرًا سطرًا، ومَن هو في شُغُل شاغِل، لا يتصفّحُ إلا في وقفات الإشارات أو في مَلالة الاجتماعات. بلى عزيزتي! لكنّ الكاتب انتبه في منتصف اللّيل ثُم أرِقَ، ونادى النومَ فما رنّق لعينيه ولا طَرَق، وأصاخ بالحُلم الذي انقطعت أسبابه أن ارجِع فما رجع. فعزم، أرِقًا نَزِقًا، دَهِشًا ذاهلًا، أن تذهبَ ليلته عبثًا، ولعبًا ولهوًا، وآلى أن يضرب على المفاتيح حتّى يسلس له قياد كلمة حَرُون، ويؤوب إليه معنى نافر، وتبرّ به بنات أفكار عاقّات. نعوذ بالله من الكفران.
أمَا وقد اتّبعتَ (ارتأيتُ الأوبة إلى هذا الضّمير) هواكَ وامتدّ بك غيّك إلى هُهُنا فإنّي مُخبركُ عن أشياء (أو إن أنتَ مللتَ هذا الجمع فأشاوى وإن أردتَ فأشياءات وإن طلبتَ سواها فأشاوات وإن عزمتَ إلّا أخرى فأشايا) أقول إنّي مُخبرك عن أشايا: فأوّلها -وهذا من بابة العادات الملازِمة- عن تَجوالي على قدميّ وما حصّلت منه في تطوافي في الآفاق ومماشاة الرِّفاق. وثانيها -وهذا أدخل في باب الأسبوعيات- عن كتب أقرؤها ومسلسلات متسلسلات تتناسل فيها الحلقات أتابعها. وثالثها -وهذا ألصق بباب اليوميّات- عمّا غنمته قبل النّوم من الريلزات والتيك توكات. وأخفّها على قلبي ثالثها، فهاك الغنائم.
فاعلمي -علّمكِ الله الخير وأرشدكِ لِما فيه صلاحك- أن الغنيمة كلّ الغنيمة فيما كان عليه مَيسم عفو الخاطِر وما جاء بديهة الرّأي، ويكأنّه الواقع في عمائه وفوضاه وتداخله قبل أن يتناوله السَّرد بالانتقاء والحذف والاختيار، وأخصّ منه ما ضعُفت جودته وكدر صفوه -صورة وصوتًا- فهذا هذا.
ثم اعلم -عُلّمتَ الحقَّ وهُديت إليه- أنّ خير الريلزات ما جاءك من صديق صَفَت لك مودّته، ومازجت روحك روحه، وخبر مذاهبك في المجانة والرّقاعة، فهو يبعث بها إليك في كل وقت على سبيل المتفضّل لا طريق المُجازي، فلا يأبه إذا ما أنتَ جمعتها إلى وقت مخصوص أو فرّقتها على يومك، ولا يكربه إن فاتك أن تقابل إحسانه بالإحسان. وأصفى ما يكون الصّديق إن هو أردَف المُشاركة بالتّوضيح، وعاد على محتواها بالتّشريح، من لبس السمّاعة وعدم التّشغيل عند الجماعة، فهذا مَن ترفع دونه الكُلَف وتُنشَر البُسط وتُسْقَط الحُجب. نعوذ بالله من الفضيحة على رؤوس الأشهاد.
أمّا الميمز فإن وَصَلتْ بكَ إلى أرض العِراق فقد وصلتَ واسترحت، فسمعت «د احجي» وقرأت «شن هاي» ورأيتَ عارِضًا في لون الليل وشَعرًا مثل عُرف الدّيك، فهذا علّاوي إن لم تفطِن إليه، وكلّ الصّيد في جوف الفرا. وفي أرض العِراق كلام جَديد، ليس فيه من دقيق الكلام ولا جليله، وإنّما مِن ثقيله وخفيفه. فخفيف الكلام ما تجيء فيه قِصص أسطوريّة، عن سفينة بحريّة، يندفع بها الموجُ ويمتلئ بها الفوج، فما شئت من نبرةِ صوت وإيماءة وجه، وتلاعب بالطبقة وتغضّن في التعابير، وحركات بالأيدي، وتثنٍ في الهيأة، وتصوير الخبر في صورة العيان، حتّى ليكون الخبر كأن قد كان وهو -والذي خلقك فسوّاك فعدلك- لم يكن، فتستوي لعينيك السّفينة وقد كانت تتمايل يمنة ويسرة، كأنك حاضرها أو كأنها ممّا حَمَلك.
والسرّ، كلّ السرّ، في رياضةِ بنات خُوارزم وتهذيبهنّ، وأن تتعاهدهنّ بالتّصفية والتّنقية والجلاء والصِّقال، وأن تعود عليهنّ بالتّقويم كلّما انحرفن، وبالتّثقيف كلّما اعوججن، فهن الرائدُ المتّبع في مجاهِل الدروب والخرّيتُ العارف بالمَضلَّات. على أنّ الخوارزميّاتِ لا يعرفن الطّريق حتى تُعرِفهنّ خاصّة نفسك، ولا يطّلعنَ الجادّة حتّى تُطلعهنّ طلعَ أمرك، فهنّ منكَ لكَ، وبكَ إليكَ، وفيكَ عنكَ. وفي هذه آية باهرة لو تأمّلت. نعوذ بالله من الغفلة.
أمّا الثّاني -أي بالقياس إلى الأشايا أمّا الأثافي فهو ثالثها قطعًا- فكاتبٌ مشّاء، يهوديّ النِّحلة جرمانيُّ اللسان، اسمه في لغة نفسه فَلتَر بِنيَمِن، وتنطقه الإنكليز والتر بِنجَمِن، مسخوا الاسم والرّسم، وعنهم تلقّفته أوباش المتأنكلزين من قومنا، وقد انتهت إلى هذا الرجل الرّياسة في صناعة القلم وصناعة القدم، أي اللفظ والتلافظ، أي الكلمة والخطوة معًا (واذكر أنّ هذا كان مبدأ أرَقَي وسبب هذياني) في خَلقٍ واحد، فما نظرتُ مرّة في كراريسه إلا خِلتني أنظر في طوايا نفسي. ولعلّك ممّن يُحب الملاحاة واللّجاج فتقول مجمجمًا مستعجمًا مستسجعًا: This is a new stage of the Miror Stage تُشير بذلك إلى ما لا يخفى على إحدى عيني من التّعريض والغَمز (أمّا الأخرى فنامت، فأنا أكتب بيدٍ وعَين واحدة. فائدة: جاء في بعض الكتب أنّ جنسًا من الخلق يُقال له النّسناس للواحد منهم يد ورجل من شق واحد، ينقزون كما ينقز الطّائر. قلت: فأنا الليلة منهم غير أنّ ليس بي طاقة على النقز) ولكن دع المرايا، فهي ذاهلةٌ عن رقاعتك بسؤال صاحب الصوت إذ قال «وش شعور المرايا كلّما شافتك؟»، فإن أردتَ أن نُعرِض عن الكاتب المشّاء ليتهادى في مشيه ونعرّج نحنُ على المليحة التي تتمرأى وننظر سبب سؤال المرايا فلا بأس، وما يُدعى إلى الخَوض في الملاحة ثم يأبى إلّا لئيم الطّبع خسيس الصِّفات، واللهم غفرًا إن كنتِ أنتِ من اعترضني بالسّجعة الأعجميّة الباردة، فقد تكاثرت الضمائرُ عليّ، فإن كنتِ أنتِ فحبّذا أنتِ من لسانٍ معجمٍ خُرسٍ نواحيه ووجهٍ مُعرب، وإن شئتِ أن تمضي في أسجاعك فأبشري بتذكرة من هَهُنا إلى بلخ، وأن لا يكون وصولك إلا يوم سبت، وإلا وقت ضحى، فتنطلقي من المطارِ حتى تبلغي موضع قرية غامرة وماء ملح فتكتبي إليّ منه -وأنا مشغول بك عن كتابك-: «كتابي إليكَ من النّوبهار يوم السّبت نصف النّهار».
وبعدُ، فإنّي كِدتُ أنام -أمّا ما وعدتك به من الأشايا الثلاث فنترك تتمتّها إلى أرق آخر- فالحق إن شئت بالكاتب المشّاء الذي تركناه يتهادى.
لُندرة،
بُلمزبري، تربيعةُ رَسِل (Russell Square)
حاشية: ليس رسل المذكور ههنا المنطيق المتفلسف صاحب «برنسيبا مَثمطِقا» وإنّما رجلٌ آخر يُنمَى إلى ذات الأرومة، وقد ظننت أوّل وصولي أنّه هو، حتّى تراءى لي في الحلم أنني وسط مجموعة كل المجموعات التي لا تحتوي على نفسها، فأيقظني صداع غمّني سحابة اليوم.
أضف تعليق