مثل حكاية النّمر القديمة، يتنسّم الأرق رائحة القلق.
I
وللأرقِ -لمّا كان حيوانًا وحشيًا- طريقة خبيثة في الفتك، يحتال على فريسته حتّى تستسلم بإرادة كاملة، فتكون في أوهن حالٍ مرخيةً من أعصابها متخفّفةً ممّا يُثقلها منتظرةً، تظنُّ، النومَ، وإذا كلّ ما ينتظرها أسودُ بلون الّليل وليس به، فليس لمن يأرق ليل، وإنّما هو الانتظار مجسّدًا في أبشع صورة: سواد سرمديّ لا تدرك الفريسة ماهيّته، يحيط بها من كلّ وجهٍ شَرَكًا مظلمًا هيّأته لنفسها بيديها لتعلق في عماءٍ لا تبصر فيه وبردٍ يخترق عظامها.
II
وللأرقِ -لمّا كان حالة وجوديّة عمياء وباردة- قدرة مخيفة على قلب الدّاخل والخارج والّلعب بنواميس الأشياء، فله من الجبروت ما يهدّ الوجود ويميد به، ليصنع من مِزَقه وشظاياه مرايا لا تعكس إلّا لون القلق وأفكاره، فكلّ شيء في العالم بعدُ مظهر لهذا الّلون.
III
وللأرق -لمّا كان معضلة خوف من انكشاف الأفكار- تردّدٌ بين الصّمت والكلام، ووقفةُ النّجوى الأخيرة قبل أن تصير محاورة، فلذلك كانَ لحظة المُكاتَبة الأولى وأصل ما في الّلغة من مجازٍ ورمزٍ وكناية، والإنسان الذي استهدف إلى حلّ هذه المعضلة أنشأ -دون أن يدري- أوّل قصيدة في التّاريخ، فالشّعر صدفة الأرق، كما قد يليق بأن يجيء في أسطورة منسيّة.
IV
وللأرق -لمّا كان مادّة شعريّة- تباشير المعنى الذي لم يشرق بعد، بلا يقين من تمام إشراقه، فقد يبدو منه شيء ثمّ لا يكون، وربّما طلع بعضه وقرّر بعضه ألّا يطلع، وله على ذلك عذوبة خمول يتمشّى في أطراف وحي لا يصحو إلا سَحَرًا ثم يغفو، وفتنة ما يتضوّأ على بديهة الوجد قبل أن تخمده رويّة التّزويق، واطمئنان كلمة آمنة في مخطوطة منسيّة سقطت سهوًا من فهرس، ولهفة سطر قُتِل منتظرًا هذه الكلمة بعينها ليكتمل.
V
وللأرق -لمّا كان بحثًا عن الاكتمال- خبطٌ أعشى لا يُدرِك ما ينقصه فلا يعرف بأيّ شيء يكتمل، فهو تيه ليليّ تُضِلُّ نجومهُ ولا تهدي، عملُها أن تغزلَ الطّرقات في دوائر لانهائيّة، تنكث النّهايات كلّها لترجعها إلى بداية فَرْدة وحيدة، فالمراحل انطلاقات أبديّة، ومواضع المسير جميعها غايات، والسُّرى عن الحمد مسافة طرف الدّائرة عن طرف الدّائرة.
VI
وللأرق -لمّا كان دورانًا في المكان- إدراك اليأس من عبث محاولة الحركة، وإغراء الانكفاء في سكون، ولهذا كان له أيضًا رِفدٌ من القلق لا ينقطع، ومَددُ سكونٍ متحرّك ما يزال يتعاظم سَكناتٍ سَكناتٍ لا يحويها مُنكفِئ ولا مُنكفَأ، فهو انهزام المكان أمام نفسه واستحالته إلى زمنٍ نازح.
VII
وللأرق -لمّا كان ورطةً بالزمن- هوايةُ النّظر إلى السّاعة في كلّ حين، وله من ذلك استطالة الوقت تِيهًا وعُجبًا إذ يلحظ النّظرة، واستطالته مُدّة وامتدادًا إذ يشعر بقلق النّظرة؛ فالنّظرة خَرطٌ للوقت والوقت انخراط للنظرة، وبينهما القلقُ شِقًّا ما يزال يتّسع بالآنِ زمنًا ويمتلئ به حميمًا فلا يُبترَد منه إلا بالانغماس في الذّكرى.
VIII
وللأرق -لمّا كان انغماسًا في الذّكرى- سطوع الذّكرى على قدر سطوع الخوف من انعدام أصلها، فهي مقابلة الموجودِ وهمًا بالمعدوم حقيقةً ثمّ الحيرة في تعيين أيّهما أحقّ بنعت الوجود، وله من جرّاء ذلك تربية الخيالِ على حسن معاشرة الماضي، وهدهدةُ الأمل في سرير متوارث لكيلا ينسى أصله إذا كبر.
IX
وللأرق -لمّا كان ملعبًا للأمل- نَفَسٌ من الطّفولة، وما تحثّل في كأس الخبرة من أوقات البراءة، وفي ذلك ما يجعله آخر أوتاد الذّات وما يُبقيها على نفسها، فهو يشكم من جماح الأملِ أن ينفرط عاتيًا مدمّرًا ينسى أن ينظر خلفه، وهو قبلُ، كما «نوّار» في نشيد الأطفال القديم، يحفظ طِيب الذّكريات.
X
وللأرق -لمّا كان توتّرًا بين البدايات والنهايات- صلات قرابة بالمتناقضات، وطَيفٌ من تداعيات الغروبُ والشُّروق جميعًا، وما يُحضِره كلٌ من هواجس، وإنكارٌ على ظاهرِ الّلون بباطنه، فهو ما يفتأ يصدح «الهجر ليلٌ والوصال صباحُ» أو ما أشبههما في التّضادّ، فأيّما نقيضٍ كان أشدّ فالأرق له أقرب قرابةً وعليه أشدّ تهالكًا، بلا اعتبار لموقع الشّمس والقمر والمسافة من الليل والنّهار.

أضف تعليق