ثُمَّ
رَجَعَ
بِنا
القَولُ
إلى
الكَلَامِ
الأوَّلِ
فأقولُ وقد أدركني العبثُ من محاولةِ القبضِ على التّجربةِ بالكلمات:
إنّه لن تفيَ اللغةُ بحملِ هذا الوجودِ كلّه، وهذا عجزُها أمام ثقلة التّجربة (والعجز انقطاعٌ يُعرَف بعد المحاولة) بل إبلاسُها (والإبلاس انقطاعٌ يُعرف قبل المحاولة) فاللغة، وهي الحادّة التّقاطيع صوتًا المحدودة التّقاسيم رسمًا، لن تحملِ بعضَ وجودِ التّجربةِ وهو المندفعُ في تيّارهِ بلا تقطيعٍ وترسيم، فلا مناصَ من أن يُسفحَ شيءٌ من هذا الوجودً مطلولًا على شِفارِ اللغةِ، أي هدرًا وضياعًا لا طالبَ لثأره، وقد ظلمَ مَن طلبَ ثأرَ الوجودِ منها، إذ ليسَ في طبعها إلّا أن تنزِعَ إلى عِرقها الأقدم، فترجعَ إلى قبلِ أن يكون ثمّة قبل، حيثُ الكلمةُ والكَلْمُ -أي الجرح- شقيقانِ لم يُشتّقَّا بعد.
وعلى هذا فلا تكونُ التّجربةُ داخل الّلغةِ إلّا مُحتضرة، ولا تصلُ إن وصلتْ إلّا وهي في لحظاتِ النَّزْعِ، فكلُّ خطابٍ وإن احتملَ المعنى وضدَّهُ فهو من هذا الوجهِ عِبارةٌ لا تحتملُ التّأويلَ عن الموت، وهذه هيأةُ الذَّاتِ المتكلِّمةِ أبدًا بإزاءِ الآخَرِ، لا حيلةَ لها سوى إعلانِ موتها شرطًا لسائرِ الكلام.
ثم إنَّ الكلمة، وإن لم تكن جرحًا أو سببًا في جرحٍ على الحقيقة، ليست إلّا رمزًا مكتوبًا إلى الَّلفظِة المنطوقة، وفي ترامي أطرافَ المسافةِ بين الصَّوتِ ورسم الصَّوتِ جرحٌ مجازيٌّ مديد يصدعُ أفقَ العالَم، فهذا أوَّلُ انشعابِ الذَّاتِ عن الآخَرِ قبل اختلاف الزَّمانِ والمكان، فالكلام، من حيثُ رأيتَه، ندوٌب لا بُرءَ منها على وجه التَّجربة.
فكيفَ -بعد هذا- يؤولُ الخَطُّ، ولا حَنينَ فيهِ من طبيعةِ ما بهِ يكونُ رسمًا، إلى صوتٍ منطوقٍ كلُّهُ حنينٌ ونَبرٌ واشتياقٌ ونِزاع؟
وإن آلَ وأُوِّل، فإنّ الَّلفظةَ نفسها، بحنينها ونبرها واشتياقها ونزاعها، لا تعدو أن تكونَ إشارةً منطوقةً إلى التَّجربة، فليسَ في وسعِ الَّلفظةِ سوى الطرقِ والقرعِ والتّصويتِ تذكيرًا بالتَّجربة لا ذكرها على وجهها، ذلك أنَّ الطَّرق، ولو أراد التَّذكير، ليس آخر جهدهِ إلّا أن يبلغَ درجةَ النَّداء، ومن شرطِ النِّداءِ أن يعيهِ المُنادَى، ومن حقيقةِ المُنادَى أن يعرفَ من نفسهِ أنَّه إنَّما إليهِ يتوجَّهُ النِّداء، فعرفانهُ نفسَهُ أمرٌ سابقٌ على وعيهِ وسماعه، فعادَ الطرق، كما كان الرَّسم، عبثًا.
فكيف -بعد هذا- يؤول الصَّوتُ إلى احتواءِ التَّجربة، وليست غايةُ أملهِ إلَّا تذكيرِ الذَّاكرِ والغفلةِ عن الغافل؟
وإن آلَ وأوِّل، فليسَ الشّأنُ شأنَ احتواءٍ كاملٍ وإلّا اعتيضَ عن الّلغةِ بالصّورة، بلّ لا بدَّ ممّا يُداخلُ هذا الاحتواءَ مُشيرًا إلى حضورِ الذّات، ولئن كانَ عجزُ الّلغةِ يظهرُ في ما يسّاقطُ منها منَ الواقع، فإنَّ عجزَ الصّورةِ يظهرُ في قبضها الكاملِ على الواقع، فهي تلتصقُ بِه حتّى تكونَ هيَ هو، فلا تصلحُ إلّا لعرضِ الشّيء في نفسِه، في أقصى ما يكون من وحدةٍ وانعزال، فكانَ الأمر في الصّورةِ على الضِّدِّ، إذ هي الغياب التّام للذّات لا ظهورها مجرَّحة.
أضف تعليق