التصنيف: غير مصنف

  • ثُمَّ رَجَعَ بِنا القَولُ إلى الكَلَامِ الأوَّلِ فأقولُ وقد أدركني العبثُ من محاولةِ القبضِ على التّجربةِ بالكلمات: إنّه لن تفيَ اللغةُ بحملِ هذا الوجودِ كلّه، وهذا عجزُها أمام ثقلة التّجربة (والعجز انقطاعٌ يُعرَف بعد المحاولة) بل إبلاسُها (والإبلاس انقطاعٌ يُعرف قبل المحاولة) فاللغة، وهي الحادّة التّقاطيع صوتًا المحدودة التّقاسيم رسمًا، لن تحملِ بعضَ وجودِ التّجربةِ…

  • صور الأرق العشر

    مثل حكاية النّمر القديمة، يتنسّم الأرق رائحة القلق. I وللأرقِ -لمّا كان حيوانًا وحشيًا- طريقة خبيثة في الفتك، يحتال على فريسته حتّى تستسلم بإرادة كاملة، فتكون في أوهن حالٍ مرخيةً من أعصابها متخفّفةً ممّا يُثقلها منتظرةً، تظنُّ، النومَ، وإذا كلّ ما ينتظرها أسودُ بلون الّليل وليس به، فليس لمن يأرق ليل، وإنّما هو الانتظار مجسّدًا…

  • ترَنسُربَنس

    تمرينات حضريّة في المشي والرّؤية -١- «يقوم تأويل المدينة المعاصِرة بعين المتجوِّل على الرّحلات الحضريّة (transurbances) التي شرعت بها جماعة ستوكر (Stalker) الإيطاليّة منذ منتصف التسعينيات في مدن أوروبية شتّى. ولمّا كانت هذه الجماعة تضلّ طريقها -قصدًا- وتجول بلا غاية في تلافيف المنسيّ من عمران المدينة، فقد لاقت في جَوَلانها الفضاءات التي وسمها الدادائيون مرّة…

  • بسببٍ من معضلةٍ عويصةٍ ترجع في جُملتها وتفصيلها إلى هجران الكتابة دونما عِلّة ظاهرة أو سبب خفيّ أو حكمة باهرة أو سِر مطويّ أو نكتة لطيفة أو باعثٍ قوي- أقول إنّي أورثت صعوبةً في معالجة الكلمات. أعني أنّ الكلمات تنزلق من بين يديّ كلّما أردتُها على أن تثبت، تنحرف الكلمة عن مقصدي في أغلب الأحيان،…

  • للانتظار زمنان: زمنٌ مفروضٌ وزمن نختاره، وإن كنت تسأل كيف تختار وقت انتظارك؟ ففي المشي المتبطّل، ومراقبة ظلال الأشجار القمريَّة ليلًا، ومطاردة القصص خلف ملامح العابرين في خمود الشوارع بعد الواحدة صباحًا. نصف ساعة من المشي كفيلة بأن توصلك إلى هامش الزّمن، في وقت خارج عن اليوم وكل الأيّام، وقت لن تجده في التقويم، إذ…

  • لا تخرج إلى أي مكان وقت الغروب، هذا فخ، ستحب كل شيء ما دام يخطُر أمامك على خلفيّةِ سماءٍ تحترق بأحمرَ لا ينتهي، وستحلم بحيوات مُضاعفة وقصص ملوّنة تنبجس من خِلال السحاب ومن بين صدوع جدرانِ المدينة التي يغسلها الشَّفق، ومن حيث لا تدري، ستغرق في كل خيالٍ عذب طاف بذهنك يومًا، أمّا الخَطِر، فأنك…

  • على عكس ما قد يبدو لأول وهلة، للضباب دفء أليف. ربما العدم الذي كان يحدّ مجال البصر في كل اتجاه هو ما جعل المدينة نفسها تظهر في دفء أشد زوايا البيت بعثًا على الطمأنينة: محدودة ولانهائيّة في نفس الوقت. قرأت مرة وصفًا لأحدهم مؤدّاه أن أجلّ أهدافه كان في جعل الغرفة امتدادًا لنفسه، سمّه إن…

  • في الحياة ما تشعر أن الزمن تركه وهرب، وفي الوهم ما يكفي لكي توقن بهذا الشعور: أن ثمة أشخاص وأماكن أشاح عنهم التغيّر وجهه فأنت معهم أبدًا -يُخيّل إليك- في وجودٍ صافٍ مستمر. كأن هناك نقطة في داخلك لم يلمسها حدث ولم يعبث بها طارئ، وأن المطلب كل المطلب حين تهجم عليك تلك الرغبة بالهرب…

  • يُشبِه اللَّيلُ في الخَارج -في الخَارجِ أقولُ لأنَّ الشَّمسَ في داخلِي لم تغبِ منذ أضاء لي وجهكِ- يُشبِه أن يكونَ أي شيءٍ إلَّا أن يكونَ الليل، مِمَّا يَجعلني أُسائِلُ نَفسي إن لم يكن هذا الظَّلامُ المُمتدُّ هو أنا، لأنِّي، في لحظةِ طَيشٍ فاتِنة، قرأتُ أحدهم يقول أرغبُ في أن أكون اللَّيل لأرى نومكِ بألفِ عين…

  • يمتزج آخر الليل بأطراف المدينة ليكونا هروبًا من صرامة التعريفات، حيث لا أنت بالمسافر ولا المقيم، لا الطريق غايتُك ولا البيت قصدُك، خاويًا من كل معرفة أو شعور سوى أنك خفيفٌ مِن كل معنىً يلبسك واسمٍ يحدّك، ذائبًا في تَرَف في الما بَين بَين، حيث الاحتمال -مثل باب كوخ في غابة مسحورة- مفتوح على المُطلق…