تختفي الأشياء كلّها جميعًا بينما يقود المرء سيّارته على دربٍ طويلةٍ ليلًا، حتى أناهُ نفسها تتلاشَى، حتى وعيه بذاتِه ينسحِق تحت ضغط الإطارات، تنتفي الإرادة في هذا الاختراق الحديديِّ العنيف للأشياء ويفنى المرء بكلّيته في المركبة، يتوحّدُ بها في التحامٍ شِعريّ يحسدُ زمانَنَا عليه العشّاقُ والشعراء والعارفون في كل العصور. ربما أدرك هذا الالتحام الشعريّ قبل اختراع السيّارة واحِدٌ منهم، أتذكّر أشعار هولدرلن، ربما اثنان، أستحضر شطحات البسطامي، أستغفر الله، ربما أكثر، يحضرني كبيرُ جَهلي وصفاقَةُ جَزمي.
والطريق حيرة أبدًا أو لا يكون. تردُّدٌ بين إغراءات مخارِج جديدة وبين الرغبة في الوصول، تمزُّقٌ عند كل شارع متفرّع إلى ما لا تعرف، انشداهٌ أمام كل ضوء يومض وسط العتمة الساكنة. كل ما تدركه، حتى أصغر تفصيلة، سِياط تجلدكَ، تحثّك على مطاردة جماليّات الأشياء والأشخاص في عزلتهم القصوى ونأيهم البعيد.
منظر الشروق على الطريق. تلفعك اختلاجات الروح وانتفاضات الجسد. تنتابك اضطرابات متفرقة في المعدة والتنفس والوعي. يستبدُّ بك إحساس حاد بالتشبّع والألوان إلى درجة لا تطاق. ثم نشيج، ودموع، وغصة في الإدراك.


تلمح وجهًا وأنتَ واقفٌ عند محطّة مّا. رجلًا بعيدًا يمشي بالقرب منك، يكاد يلامسك، تتملّى ملامح وجهه، ملابسه. ما أبعده عن أي شيء تراه في غير السَّفَر. ترافقه بعينيك إلى سيّارته التي لا تزال، بمعجزة مّا، تعمل. يغمرك الفضول لتعرف عن حياته وتاريخه. لم تأت به هذه السيارة من مكان بعيد بلا شك، علّمتكَ الأسفارُ الدّيارَ وأهلها فهل كان حربيًا أم مطيريًا أم سُلميًا؟ من أي قرية أو هجرة جاء؟ ربما بادية، من يدري؟ وحين يختفي تخطر لك فكرةُ أنه مسافر أبديّ يطوف الطريق منذ كان، تبدو لك فكرة واقعيّة أكثر من صلابة الكوب الذي تمسكه بيدك.
الطريق حيرة. ولكنّه دفء أيضًا. أدين بواحدة من أشد ذكريات طفولتي دفئًا إلى طريق السفر، ليست ذكرى بقدر ما هي رؤية للعالَم لم تفارقني حتى الآن. إنّها حول الكثافة المطلقة للأشياء والمشاعر والأفكار حين تلامسها العُزلة ويلمُّ بها الانفراد.
قانونُ الوجود الأوّل، أيُّما شيءٍ انفردَ بنفسِه فهو يظهر في أسطع صورة ممكنة، كأنه الذهنيُّ واقعيًا، كأنه الخيال حقيقة.
أتذكّر في طفولتي الأكشاك على طول الطريق، بَدَت دائمًا أوسعَ مما يحتويها، إنها قُبَّعةُ ساحرٍ تخرج منها القهوة والحلويات والعجائب، ويسكنها إنسان من نوعٍ آخَر يعيش في هذا العالَم المستحيلِ الأبعاد والمسافات. لا بد أن الجبال التي تأتي منها القهوة موجودة هنالك. قالت لي أمي ذات مرّة إن القهوة تأتي من الجبال. لقد رأيت القهوة تخرج من الكشك وفاتني أن أنتبه للرحلة وراء هذا الخروج. لم يكن بيدي سوى أن أتخيّل الملحمةَ التي تحدث بداخل هذا الكشك الصغير: عبور البحر واختراق الصحراء ومجاوزة الغابة وتسلّق الجبل، ثم العودة إلى الشبّاك، وكأنّما فِعل عادي، مناولة القهوة.
من بعد خيالات الطفولة الفجّة جاءت الكتب واللغة والشعر والاستعارات، لا لتنفي ولكن لتنقِّح وتصقل وتزيد. عرفتُ أسماء الأشياء على الطريق فتغيّرت النظرة، حضرت العبارةُ فاتّسعت الرؤية. أسماء النباتات والأشجار والصخور، وقصص الديار والعشّاق والمعارك. تطلّب الأمر قصصًا حول شعراء الحجاز من هنا، كتابًا حول أنواع النبات من هناك، صفحات حول جيولوجية الدرع العربي، وها هي الأشياء تتكشَّف. لقد تفجّرت أبعاد جديدة. ما كان مجرّد خلفية ذات سطح ساكن امتد لأعماق لا آخر لها. انبثقت الألفاظ والمجازات والرموز فطفح المشهد بالمعنى.
نصائح السَّفر: توقّف على الطريق. تأمِّل النجوم من فوقك، تلفّت إلى الأرض من حولك. ترجّل من السيارة لكي تشعر بالنأي، فما دمت بالداخل مغمورًا بالجو البيتي لسيّارتك فلن تشعر بالبُعد ولو ذَرَعتَ أرض الله طولًا وعَرضًا. يكفي أن تخرج من كبسولة الألفة هذه وتراها واقفة أمامك منفصلة عنك حتى يستولي عليك الشعور بأنك انقذفتَ إلى مسافات لا تُدْرَك. وقتها يمكنك أن تتخلّص من تأثير الصورة اللعين الذي استولَى على زمننا وتعيش التجربة حقًا وصدقًا.

وتأثير الصورة، وما أدراك ما تأثير الصورة، إنه استبداد النظر على بقيّة الحواس، فإذا أردت أن تعرف الحقيقة من الخيال فاهرب إلى حواسّك الباقية فإنّها لا تكذب، وليكن هذا موقفك الابستمولوجي في الترحال والأسفار، استعن باللمس والشم ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فهي كل الفرق- في زمن الثري دي والواقع الافتراضي- بين الحقيقة والوهم.
ولا تنسَ حظّك من الذكرى، وللذكرى أسلحة، منها الرائحة ولكن توثيقها مُحال، فالجأ إلى عدوَّتِكَ الصورة، فإن استطعتَ أن تصوّر دون أن تُخلِّ بالتجربة فافعل، ولا يغب عن بالك أن التصوير من أجل الذكرى إنَّما هو أبدًا فعل سلبيّ وعكسيّ: فأنتَ تضع الأشياء في إطار بينما هدفك هو ما لا يُمكن تأطيره، معوِّلًا على أن ما بالداخل، المنظَر داخل الإطار، سيوّلد ذكرى عن الشيء الحقيقيّ الذي يستحيل إمساكه بأيّة إطار. واجعل نصبَ عينيك أنه في التوثيق لا مهرب من مأساة الذاتية، لا مفرّ من الانغلاق على التجربة واستحالة إيصالها إلى الآخَر. فصوّر، حين تصوّر، مستحضرًا هذه الحقيقة تفز بالخير إن شاء الله.
أمّا نصيحة الوقت، فاعلم أنّ السَّفَر من الإسفار، فأيُّما أمر انكشفَ فيه فإنّه ينكشف مُضاعَفًا، ويتجلّى ويتدلّى، ولا يبقى من جوهره شيء إلا ظَهر وبان، فاحرص في سَفرك على أن تدرك أوقات بدوِّ الأشياء وأوقات غياب الأشياء، فهذا الشروق وذاك الغروب لا تفوّتهما على الطريق، ولو بالمماطلة والتأخُّر وكثرة الوقفات.
أمَّا نصيحة الزّاد، فاعلم أن خير الزاد التقوى، والتقوى تُقاة وجُنّة ودِرع، فاجعل تقواك في الطريق قهواك، فهي جُنَّتك ودرعك أمام كل ما أشغلك عن المسير وألهاك. واعلم أنّه ما سَلك سالكٌ إلا وكان له حظٌ مما يُقهيه ويُصفيه، فتزوّد من القهوة وامْتَار، ولا ترتشف منها على ظمأ، ولا تجعلها غِبَّ طعامٍ تبتغي بها غير ما هي له، ولا تشربها شربَ الماء فما هي بماء، ولكن ترشّف ومَزْمِز وتَمَطَّق، وكن لها تكن لك، وأعْطِها من نفسك تعطك من نفسها، ومن نفس العالَم، ومن نفس الأشياء، وقد أكرمها من قبلك الكرام فكن منهم وتشبّه بهم.
أمّا نصيحة الموسيقا، فاعلم أن الصوتَ مُدَّة، والمدّة قرينةُ الامتداد، فالصوت بهذا الاعتبار مكان، والطريق بطبعه مكان، ولا يجتمع مكانان في قلبِ امرئ واحد. فاجعل حظّك من الموسيقا ما كَثُرت فيه الوقفات ليكون لصوت الطريق مَسْرَبٌ إلى أذنيك ومَسَاغٌ إلى نفسِك. ولا تسمع إلى كل صخّاب نخّاب، فهذا موضعه المُدن ونوادي الرِّياضَة، وضجر الزحمات وبأس الظُهريات، وكل مكان أو زمان قَوِيَ فيه الواقع وانهَزَم الحلم، أمّا طريق السّفَر فإنه حلم ممتد، فراعِ حُلمك.
