محاولات لإنقاذ التجارب الزائلة في الحياة اليوميَّة



الأحد 2:30 فجرًا:

لحظةُ إشراقٍ مباغتة. تفاؤل مجهول الأسباب ينفجرُ فجأةً أثناء تشغيل ماكينة القهوة: بلا مقدمات راح الوقت- الذي كان قبل قليل ضيّقًا ولا يكفي لتسليم المطلوب غدًا في الجامعة- راح الوقتُ يتّسع، وبَدَت الحياة تستحقُّ العيش ومليئة بالاحتمالات التي يمكن أن تتحقق، آلاف العوالِم انبثقت أمام ناظريَّ، انفجرت كأنما مِن ناظريَّ بالأحرى، وراحت تترامَى إلى البعيد، طاويةً في طريقها كل شيء عَدَا التباشير. لعلَّي أستبدل استعارة الانسحاب- كأنَّما في دوّامة- باستعارة الانفجار. يبدو الانسحاب أدق، فلم تكن تلك الخيالات شيئًا له صلة بالواقع، لم يكن لها محتوىً مكانيّ على الإطلاق، بدت أحلامًا مُصفَّاة من كل شوائب الواقع بما فيها الزمان والمكان، مثال نموذجي للعوالَم والأشياء الباطنيّة. متأكد الآن، وأنا أكتب بعد انقضاء اللحظة بمدّة، أنه حتى فكرة الموت نفسها، فكرة أنني زائل اختفت من وعيي تمامًا في ذلك الحين. يبدو أنَّ هذا هو أقصَى ما يُمكن بلوغه في كل مسعىً بشريِّ: نسيان الموت، نسيان عمل الزمن ولو لوهلة. ليست اللذة، إذن، غياب الألم، ليست حسابًا براغماتيًا لوحدات محدَّدة منفصلة، إنها النسيان، نسيان حتى فكرة اللذة نفسها، التلاشي في الكل، الاضمحلال إلى لاشيء على إيقاع حبوب البُن وهي تُطحَن.

الأحد ظهرًا:

مباراة الهلال. يقينٌ تام بأني أمام لحظة تاريخيَّة سأتذكَّرُها مِرارًا في المستقبل. ليس على مستوى عموميَّة هذا الحدث نفسه -حقيقة أن الهلال أخذ أخيرًا بطولة آسيا- ولكن بكلِّ التفاصيل اليومية الصغيرة التي اتفَق أنّي كنت فيها في ذلك الوقت: لقد أنقذها هذا الحدث، ولو باعتباطٍ صارخ، أنقذها من النسيان. لم تكن تلك التفاصيل شيئا في ذاتها، مجرد وقوعها في نفس وقت المباراة كان يعني أنها ستخطر ببالي كلما جاء ذكر هذا الحدث. كان ثمة شعور يُشبه الحماسة نابع من إحساسي بأني أفعل شيئا باقيًا، أعني أن هذه اللحظة ستبقى في الذاكرة. لم أمر بهذه الحال كثيرا ولا أعرف لها اسمًا، حال أن تعيش أمرًا مّا في ازدواجٍ زمنيٍّ حيث يبدو حاضرًا وماضيًا في نفس الوقت. أمرٌ آخَر، ذلك الجو المنتشِر في مختلّف الأماكن، الجو الواحد الذي ظَهَر في حيثُما اتَّجهت، كل شيء كان يدور حول المباراة كأنها حدث كوني هائل، كل السياقات المختلفة اتَّحدت في ذلك الوقت، التقت خطوطها في نقطة واحدة. تعمل المباراة نفسها أمامي على اللابتوب، وأجد التغريدات حولها في تويتر، والرسائل في الواتس والمنشورات في انستقرام، بدا تجاهلها مستحيلًا حتى بالنسبة إليَّ أنا الذي لا أهتمُّ بكرة القدم أصلًا.


الإثنين 1:35 ظُهرًا:

مُحاضرة مملَّة. تتشكَّل- نتيجةً للُعبةَ مُسارَقَة النظر إلى الجوّال دون أن ينتبه الدكتور- حالة من عدم الاتّساق في العالَم من حولي. سلسلة لا متناهية من عمليَّات الاتصال\الانفصال تسبِّبها دُفُعَات من الإدراك المجتزَأ للظواهر القادمة من عالَمين مختلفين مما يُحدِث ضَربًا من الالتباس عند أيّ محاولة لرد إحساسٍ مّا إلى سببٍ بعينه. لم أدرِ، على سبيل المثال، هل كان شعوري بالارتياح النسبيّ وقتها آتيًا من درجة الحرارة المعتدلة أم من جَرْس لفظةٍ انْسَرَبت إلى أُذنيَّ من المحاضرة واندمجت، على نحوٍ مثاليٍّ، بملمَس الشاشة تحت إبهامي: كنتُ أحسُّ بها في أذني الداخليَّة، انثناءات في أحرف الكلمة، تتمطط في أشكال لولبيَّة نحيلة-لا أذكر ما هي الكلمة تحديدًا- وبمَلمسها الصلصالي تحت إبهامي، ولسبب مَّا كنت مقتنعًا بأنه ملمَس خط الثُلث.

يتحرَّك الطالب الجالس أمامي فأحتاج إلى أن أعدِّل جِلستي تبعًا لكي أبقى في ظله ولا يظهر الجوَّال. تتناثر من جرَّاء هذه الحركة بقايا انتعاشٍ عِطريَّة عالقة من أغنية (Another Day Of Sun) التي كنت أسمعها في الطريق. فأهزُّ قدميّ على إيقاع الأغنية التي أخذت ترنُّ داخل رأسي. بدا الوضع، في المُجمل، مثل قصيدة لطيِّب الذِكر مالارميه.  خيطٌ من الشعور الثابت كان يُبطِّن كل هذه التقلُّبات، شعور اطمئنان غريب ناتج عن اكتشاف أنه من الممكن أن يكون المَلل لطيفًا، مللٌ متسكِّع رائق المزاج، يُشبه حنين محمود درويش، له بلد وعائلة وذوق رفيع في تصفيف الأزهار البريَّة. 

الإثنين 3:00 عصرًا:

يسيل الوقت، وقت كثير يجري بهدوء وتصميم ينبوعٍ يحاول أن يكون نهرا.

 مكان، حيِّز بالأحرى، عادي رتيب لا شيء فيه يثير الانتباه ويوم من ذلك النوع من الأيَّام الذي تمارسه بلاوعي، يوم باهت من أيَّام وسط الأسبوع ومهمّة روتينية.. روتينية، ر و ت ي ن ي ة، هذا أنسب وصف، روتينيّة -آسف، مستمتع بمدى دقَّة انطباق الكلمة على المعنى، مثل تركيب جزئين مناسبين لبعضهما تمامًا، تخيَّل أنك تلتقط قطعة ملقاة على الطريق وتجد في جيبك قطعة أخرى تناسبها كأنما مصنوعة لها بالضبط- للمرة الأخير، روتينيَّة، فالمرادفات الأخرى، ملل سأم طفش…الخ، تعني أن هنالك شيئًا مَّا يستأثر بانتباهك، بينما الروتين شيء يحدث من تلقاء نفسه تقريبًا، مكرر ولا يحمل أي صفة جوهرية إلى الحدِّ الذي لا يُمكن للذاكرة معه أن تستبقي شيئًا، لا تجد ما تُمسكه في حادثة فرديَّة بعينها من هذا النوع، محض تكرار لشيء يبدو أنّه لم يعرف قط دهشةَ المرَّةِ الأولى، كأنَّه كان يحدث منذ كان بلا ابتداء، لذا تختلط الأمور ولا نعود نستطيع التفرقة، في أعمال من هذا النوع، بين شيء حدث قبل أسبوع و شيء حدث قبل شهر، اللهم إلا بأمور لا دخَل لها بالفعل نفسه، أمور ترجع إلى ضعف في تجريد الفعل عن غيره لا أكثر، أمَّا الفعل في ذاته فشيء لازماني إلى حدٍّ بعيد.

الثلاثاء 8:23 صباحًا:

في المطعم الجامعي، تقع عيني على صفحة جريدة معلقة داخل علبة إطفاء الحريق. لسببٍ مّا، قرأتُ الخبر الظاهر في الصفحة باهتمام مُفرِط لم أدرك تعليله: ببطء وأناة -لا تقل عن تلك التي أمضغ بها الطعام بغرض تأخير العمل- مررتُ عليه حرفًا حرفًا كأنَّما أمام رسالة تخصّني، شعور غريب بأن الكلمات تحمل معنىً مّا أو إشارةً لأمر سيحدث اليوم، مثل لقطةٍ في فيلم تظهر فيها صفحات الجرائد لتقول شيئا له صلة بالأحداث، هذا جعلني أرى نفسي من منظور شخص ثالث، أو ربما أن الأمر بالعكس: رأيت نفسي من منظور شخص ثالث بدايةً فرُحتُ أعطي كل ما يبدو في المشهد معنىً( في الحقيقة إن فكرة عيش الحياة بهذه الطريقة، مثل فلم، تجعلها أكثر جوهرية وكثافة)أفكِّر، غالبًا للأمر علاقة بالطريقة التي وُضِعَت فيها الصفحة، بالأجزاء الظاهرة والأجزاء المخفيَّة: تعمل علبة المطافئ كإطار يحدد المهمَّ الظاهر، أمَّا الأطراف وراء الإطار فتعطي إيحاء الصفحة دون أن يكون المرء متأكدًا مّا إذا كانت لها تكملة فعلًا أم أنها مثل العوالم الموجودة في اللوحات، مثل بيت يلوح في عُمق اللوحة، يبدو، لوهلة، مفعَمًا بالأشياء والذكريات، ولكنه ليس سوى تداخل بين تدرُّجات لونيّة مدروسة. تلمع في ذهني فكرة: الأمر كلّه إذن في الإطار، في مفهوم الإطار نفسه، في الثنائيَّة الحادَّة التي تفرضها فكرة الإطار على وجه التحديد: ما هو بالداخل وما هو بالخارج. المسافة بينهما هي الإطار نفسه، مسافة\مساحة سحريَّة هي الأساس لكل حُلم وأمل ونظام في الحياة.

الأربعاء:

لا شيء، ينتصر الزمن اليوم

الخميس 3:10 فجرًا:

أقرأ في حالة بين النوم واليقَظَة، في مثل هذه الحال لا أهتم بمحتوى المكتوب أبدًا، فكل سطر، كل جمل مرصوفة خلف بعضها ستعطي التأثير نفسه: تمر عيني على السطر، فتنفجر ذكريات، وأحلامُ ذكريات، وذكرياتُ أحلام -نعم، يوجد شيء مثل هذا- وروائح قديمة ولمحات مبهمة، وصور مشوَّشة، وملامح لشخصيات أنمي شاهدتها، وتخيُّلات لأماكن روائيّة، وأصوات بدرجَات فوق صوتيَّة، أصوات ملوَّنة، كل هذا بدا خارجًا من نصف سطر، ويحدث في لمحة -هذا هو أعمق إحساس في القراءة لا شيء آخر- يحدث في لا وقت، ومن وصفٍ لحركة تافهة من حركات سوان الأب: “اكتفى بحركة كانت مألوفة لديه كلما خطرت في باله مسألة شائكة بأن يمر يده على جبينه ويمسح عينيه وزجاج نظارته”

الخميس صباحًا:

فرع البنك في الجامعة. تسحرني فكرةُ أنَّ الفرع يقع في داخل الجامعة ولكنّه لا ينتمي إليها. تبدو النقلة بين داخل الفرع وخارجه أبعد بكثير مما هي في الواقع، المسافة بين داخل الفرع وخارجه لا تحددها عتبة الباب أبدًا، إنها أقرب إلى انتقالات عالَم هاري بوتر، حيث تكفيك قفزة واحدة لتنتقل من العادي إلى العجيب. يعمل تلفازٌ معلَّق في الأعلى. لا أحد يشاهده، يندمج بالخلفيَّة تمامًا مثل لون الجدران والإضاءات الصغيرة ونبات الزينة، أنا نفسي أفعل هذا الشيء بعض الأحيان، أشغِّل التلفاز في البيت برغم أنّي لم أعد أشاهده منذ مدة طويلة، أتركه يمارس مهمته الجديدة كعنصر ديكوري محض. تنتشر في الفرع موسيقا فواصل قناة العربيّة حاملة جوًا بيتيًا ألقى عليَّ شيئًا من الاطمئنان، شيء له علاقة وثيقة بالسفرة العائليَّة وصباحات المدرسة ودفء حليب الصباح. يغمرني إحساس أن المدرسة تبدو بعيدة جدًا، وراء هذه الفكرة تأتي فكرة أخرى، تبعتها كأنَّما ظلها، فكرة أني اليوم في البنك لأني من أقدم دفعة في الجامعة بحسب عدد السنوات المطلوبة للتخرج، يعني أني من القلائل الذين يعيشون سنتهم الخامسة منذ دخلوا الجامعة، ويعني أيضًا أني حينما أقابل طالبًا مَّا في الممرات فسأكون غالبًا أكبر منه.. اللعنة، لقد كبرت بشكل لم أتخيَّله على الإطلاق، كأنَّه لا يكفي أن أكون في الجامعة حتى أكون مِن أكبر مَن فيها.

Posted in

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦ما أمكن إنقاذه من الزمن لهذا الأسبوع:⁩”

  1. صورة أفاتار Raghad Alansari
    Raghad Alansari

    ما هذا يا رجل!
    سلِم عمقك يا أخي.. أيكأنني أستقي من حديثك هذا عزلةً.
    أو عزلةً ذهنيةً وعالمين (أو ثلاثاً على حد قولك!) عالمك وعالمٌ واقعيٌّ وآخر افتراضي..
    شكراً لك فقد اشتقنا لعمقٍ هذه الأيام.

    إعجاب

    1. صورة أفاتار عبدُالعزيز

      ممتن لكلماتك

      إعجاب

اترك رداً على Raghad Alansari إلغاء الرد