(1)

تركض.

في البداية هنالك العالَم ممتدًا أمامك وجسدك الذي هو أيضًا العالَم ولكن ملتصقًا بك: أنت تركض والهواء يعبره، الأرض تدفعه إلى الأمام، اللون والليل ينهمران عليه ويُغرقانه في طوفان حِسِّي غامر يُحدِّدُ الأبعاد والمسافات، وهَمَسات الأشياء، قريبةً وبعيدة، تُكسِبه إدراكًا بالأبعاد الثلاثة التي هو فيها.

في مرحلة البدايات، في الدقائق الأولى من الركض، تبدأ تشعر بأنك، بأن جسدك بالأحرى، محض مَكَنة، شيء مُنفصل ومستقلٌ عنك. آلة تدور وتعمل وفق طُرقها الخاصة، في دخول الهواء وخروجه كما آلةٍ بخاريَّة، وفي الحرارة الكامنة المخنوقة تحت الجلد قبل التعرُّق، وفي نبضِ القلب الذي تكون واعيًا به تمامًا كأيِّ إيقاعٍ جديد لم ينتقل إلى اللاوعي بعد.

 لم أتمنَّ قط أن لي معرفة بتشريح الجسد البشري قدر ما أفعل في هذه المرحلة. وددتُ لو أنِّي أعرف بعض الأسماء، لو أن بحوزتي كلمات وألفاظ قليلة تسمح لي بأن أضع حدودًا واضحة بين الأشياء. بين المفاصل والعضلات والأعصاب، أين يبدأ كل منها وأين ينتهي، وماهي طريقة حركتها بالتحديد، وكيف تتضافر سوية في خلق هذه المرونة الفائقة التي يتحرك بها الجسد. ولو أن في ذهني خريطة لمسارات العروق فأشعر بالدماء تسري بداخلها مثل ينابيع عديدة عوضًا عن إحساسي الحالي بالدم كسائل كثيف ممتزج يَهدِر ساخنًا ولاذعًا في سائر الجسد مثل حمم بركانية.

بلا أسماء، بلا حدود، كنت أدرك جسدي كُلًا مُندفعًا، كتلة ملتهبة وفَيض من الطاقة أكثر منه آلة مركبة من أجزاء متعددة.

(2)

أربعون دقيقة من الركض.

يتضبَّبُ المَدى بالملح والعرق، تنكمش الحواس على نفسها كما لو أنها تأخذ غفوة، ينقطع فيض الإحساس المتواصل وينقلب إلى ذبذبات توحي بانهيار غلاف الأشياء من حولي كأني وصلت إلى نهاية الخريطة في لعبة فيديو. شعور مبهم بأنّي أقتربُ من المكان الذي هو خارج المكان، إلى البياض الشَّفيفِ حيث تندمج الأرض بالسماء في كُلٌ دائريّ واحد مثل ثعبانين يتزاوجان.

 وَثبة تنقلني من التركيز على كُتلة العضلات المحمومة الملتهبة التي تقطر عرقًا إلى التركيز على أصفَى الأفكار المجردة.

تغيبُ كل الأفكار التي تتتبَّع الحركة الفيزيائيّة، وأنتقل بتركيزي إلى أمور أخرى، عوالِم أخرى بالأحرى، وأبدأ أشعر بالروح نفسها ترتجُّ، قفلٌ مَّا يتحطم وتخرج الروح، كما لو أن الحركة العنيفة المتَّصلة تنسرب إليها على نحوٍ مَّا، ويغيب العالَم والجسد معًا ويمتلئ الأفق بأفكار لامادِّية خالصة.

لا أدرك بعد هذه اللحظة سوى خيالات مبهمة حول أطيافٍ تدور، وبلاد قصيَّة لا تقع في أي خريطة، وجماعاتٍ ترقصُ، حلقاتٍ حلقات، في همسٍ متَّصل مثل طنينِ سربٍ من الدبابير.

ضبابيَّة المدى واختلاط مجال البصر، صوت اللهاث الذي هو المسموع الوحيد، علامتان أشبه بإعلان عن لحظة حميميَّة خالِصة يذوب فيها الجسد تمامًا، يستحيل قطرات ويسيل مندمجًا في شيء آخَر غيره.

 لو كنتُ سأعبِّر عن هذا الإحساس أوفَى تعبير فسأختار أن أرسمه، سيبدو مثل لوحة انطباعيَّة ينماع داخلها جسمٌ مّا في الخلفيَّة كأنَّه خارج منها لتوِّه أو هو آيبٌ إليها وعلى وشك أن يفقد ذاته فيها.

(3)

ولكن الركض تجربة.

صافية نقيَّة مثل أي فعل جسدي بالكامل. أعتقد أي محاولة للكتابة عنه أو شرحه أو تأويله بأي وسيلة ستبدو عملًا باهتًا وتفتقد المُباشَرة والحرارة التي تحملهما التجربة.

لا شيء يوصِل شعور الركض مثل الركض نفسه.

Posted in

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦ركض ركض ركض⁩”

  1. صورة أفاتار ...

    “أعتقد أي محاولة للكتابة عنه أو شرحه أو تأويله بأي وسيلة ستبدو عملًا باهتًا”
    ومع ذلك وصفتَ الركض بأروعِ طريقه ممكنه.

    Liked by 1 person

اترك رداً على عبدُالعزيز إلغاء الرد