لم يُشعرني شيء مثل هذا الحدث بأنني محظوظ، أن لي مطرًا وحدي، لم تعلِن عنه نشرات الأنباء ولا تداولت الأمهات مقاطعه في مجموعات الواتس، كنا وحدنا تمامًا أنا وهذا المطر الذي لم يتوقّعه أحد، حتى هاتفي لم يكن يدري بما يحصل، أُخرجه من جيبي وأستطلعُ توقعات الإمطار فيه فلا تشير إلى نسبة غالِبة، أرى أيقونة ترسم غيمة طفوليّة وحيدة ومن خلفها نصف شمس، أما الرقم فلعله كان واحد في المئة، المحصّلة أنه قد غفل كل شيء عن هذا المطر، وأنا، وحيدًا خرجتُ أركض في آخِر ساعة من الليل، أقابِل هذا الانهمار بدهشة مَديدة.

كان وقتًا ملائمًا ليبدو الأمر وكأنه سِر، كأن الغيوم تهمس لي حديثها برشاقة وسُرعة قُبلة مختلسة، كنت وحدي، كنا وحدنا، أظن المطر نفسَه كان وحيدًا، وحين سمعت قطراتِه التي كانت تقع خافتة وبلا صدى على سقف الزنك على يساري تأكدت، ثمة أنين وحيد في هذا الوقوع، حتى في خَلَل الضوء الذي انساب من باب تُرِك موارَبًا في نسيان أو انتظار، وأنا أرى قطراته متناهية الصغر التي لم أشعر بها وهي تقع علي، جزمت: هذا مطر وحيد، أو ليس مطرًا عاديًا، ثمة شيء غير اعتيادي في خِفّته وضؤوله.

لم يكن في السماء غيوم كثيفة فمن أين جاء؟ أعوّل على أن تحديقي القديم في السماء يجعلني خبيرًا بعلم سلوك الغيمات، وأقول لعلها إذن غيمة هارِبة، مرتحلة، فَصَلت -في قصةّ تستحق الرواية- عن قطيعها ثم سارت مسافات، قطعت فيافي وجابت قِفار، ثم لم تحتمل ثقل الوحدة والنأي فبكت، كون هذا المطر دموع يفسّر طبيعته الغريبة، يفسّر خِفة الوَقع وخفوت الصدى وضيق الانتشار، ربما تبكي الغيوم، من يدري؟ لا تستنكري شيئًا لأنك تجديه غريبًا وحسب، العالَم مليء بما لا نعرف ولا نتوقع، وأننا لو أنكرنا كل غريب فلن يعود في القلب مساحات للدهشة، ولا للبهجة بأحداث صغيرة وسريعة، خافتة ومجهولة، مثل مطر غير متوقّع.

Posted in

4 ردود على “مطر غير متوقَّع”

  1. صورة أفاتار رُبى

    “لعلّها إذن غيمة هاربة، مرتحلة، فصلت عن قطيعها ثم سارت مسافات، قطعت فيافي وجابت قفار، ثمّ لم تحتمل ثقل الوحدة والنأي.. فبكت…”
    يالله على الوصف هنا، حبّيت حروفك عبدالعزيز!

    إعجاب

    1. صورة أفاتار عبدُالعزيز

      ممتن ربى الله يسلمك 🙏

      إعجاب

  2. صورة أفاتار ...

    “ربما تبكي الغيوم، من يدري؟ لا تستنكري شيئًا لأنك تجديه غريبًا وحسب، العالَم مليء بما لا نعرف ولا نتوقع، وأننا لو أنكرنا كل غريب فلن يعود في القلب مساحات للدهشة، ولا للبهجة بأحداث صغيرة وسريعة، خافتة ومجهولة، مثل مطر غير متوقّع.”
    هربت الكلمات مني :)، لكن كُل بأقوله هو إني سعيده إني بدأت يومي بتدوينه لك.

    Liked by 1 person

    1. صورة أفاتار عبدُالعزيز

      الله يسعدك شكرا

      إعجاب

أضف تعليق