
بالتجوال الخادِر والخطوة الوئيدة، أعيد استكشاف المدينة هذه الأيام. وفي كل مكان، في كل مرة، أنتهي لا من حيث بدأت ولكن إلى أفقٍ قصيّ في طيّات نفسي
كأن وقع الخطى إيقاع مالا يُحَس، وأن طَرْقًا حثيثًا على باب الروح -مثل تتابع خطوتين- هو منفذ كل النأي الأبعد من أي نأي: أي ذاك المدى الشاسع الذي بداخلنا.
لعل المشي من حيث هو استكشاف عكسيّ -للذات لا العالَم- إنما يعمل على قوانين لم تعرف بعدُ للمَشَابه: أن مرأى بقعة ضوء ذائبة وسط ظلام مشوّش قد تُذكّر بتجربة أولَى للجمال، تقع ربما في حيث لم نكتسب بعدُ اللغة، قبل أن نعرف الكلمة والجملة، حين لم نكن وضعنا الفرق بين موجود وموجود فبدا لنا العالَم فعلًا مثل بقعة ضوء ذائبة وسط ظلام مشوّش.
لعلها هي كل لحظة انشداهٍ لم نستطع إمساك المدهش فيها، وفي حيثما تخطّفنا منظر، فكّر أنها الذكرى البعيدة، أنها الروح المفتوح بابها إلى ذاك الذي لا نجد بين أيدينا لغة تمسكه، ذاك الذي كان قبل الكلمة، ولم نجده إلا في طَرقةِ قدم هيّأت ونظرةٍ وقعت، في لحظة استثنائية، على أجزاءَ من ألوانٍ متداخلة كوّنت لنا كل المعنى.
أضف تعليق