الأُلفة عدوّ الانتباه، وبقدر بعدك عن الشيء تراه أشد وضوحًا.
أتجوّل اليوم بنظرة مختلفة وعين متلفّتة، وأين؟ في جدة التي تداخلت فيَّ حتى لم أعد أراها سوى جزء منّي، ولهذا السبب بالضبط، لم أكن قادرًا على الانتباه لتفاصيلها.
وحده غياب طويل بما يكفي كان قادرًا على أن يجعل هذه المدينة التي نشأت بها جديدة أمام ناظريَّ، كأن البُعد هو أوّل شروط الانتباه التام للأشياء. هل يُمكن تغريب المألوف ونحن فيه؟ إبعاد المُلاصِق وهو يحفّنا؟ الخروج من الدائرة وقوفًا في مركزها؟ يُشبه هذا المسعى أن يكون انتزاعًا للنفس من نفسها، لا أحد يخلع عنه مكانه بسهولة ويراه كأنه غريب بينما يحاوطه المكان، النأي وحده خيار، البُعد أولًا -مكانًا وشعورًا- ثم الإحساس بالشيء جديدًا.
لو كان لي أن أطلب تحقيق مستحيل واحد فسيكون هذا: انتباه الغريب وأُلفة المعتاد في ذات النظرة
أن تضع قدمًا وراء أخرى وتعبر المسافات، هذا عمل شعري بحد ذاته، ولكن اليوم، حيث اللون باهت والذكرى غائبة، يبدو بلا معنى. اليوم تحتاج أن تدلف عميقًا، أن تسلخ طبقات من نفسك وتعبر مسافاتٍ أبعد، طرقات في اللغة لا المكان، إلا -تقول لنفسك- أن تعبر المدينة ألف مرة، لعلك إذن واجدٌ الذكرى فتُرسي عليها الكلمات، أو خيال فترسي عليه الكلمات، أو كلمات ترسيها على الكلمات.
تحتَّك الكلمةُ بالكلمةِ فتضيء نارٌ، تأملُ -بينك وبينك- أن تكون القصيدة وأن تصل، ولكن الكلمة فوق الكلمة عَدم ومَوات، إلا في كتاب مُلقىً على صدرها -هل هي الذكرى؟- ليس عن الشِّعر ولكن يضم قصيدتين، يغمر الروح بالإيقاع، يُسيِّل المدى صورًا: عن مكان عامرٍ بالصوت -المتقطِّع لا المستمر- وبالوهج المتلألئ -حِزمًا لا شُعاعًا متَّصلًا- مكان تتطاير فيه الأغنيات، ينبت فيه المعنى من الهواء ويطفو على السكون.
وأنت الماشي، تختفي من أمام عينيك المدينة، يطير نخيلها يمامًا، تتهادى جبالها غمامًا، وتعبر -بخطوة- المدينة ألف مرة، وتصل.
بالتجوال الخادِر والخطوة الوئيدة، أعيد استكشاف المدينة هذه الأيام. وفي كل مكان، في كل مرة، أنتهي لا من حيث بدأت ولكن إلى أفقٍ قصيّ في طيّات نفسي
كأن وقع الخطى إيقاع مالا يُحَس، وأن طَرْقًا حثيثًا على باب الروح -مثل تتابع خطوتين- هو منفذ كل النأي الأبعد من أي نأي: أي ذاك المدى الشاسع الذي بداخلنا.
لعل المشي من حيث هو استكشاف عكسيّ -للذات لا العالَم- إنما يعمل على قوانين لم تعرف بعدُ للمَشَابه: أن مرأى بقعة ضوء ذائبة وسط ظلام مشوّش قد تُذكّر بتجربة أولَى للجمال، تقع ربما في حيث لم نكتسب بعدُ اللغة، قبل أن نعرف الكلمة والجملة، حين لم نكن وضعنا الفرق بين موجود وموجود فبدا لنا العالَم فعلًا مثل بقعة ضوء ذائبة وسط ظلام مشوّش.
لعلها هي كل لحظة انشداهٍ لم نستطع إمساك المدهش فيها، وفي حيثما تخطّفنا منظر، فكّر أنها الذكرى البعيدة، أنها الروح المفتوح بابها إلى ذاك الذي لا نجد بين أيدينا لغة تمسكه، ذاك الذي كان قبل الكلمة، ولم نجده إلا في طَرقةِ قدم هيّأت ونظرةٍ وقعت، في لحظة استثنائية، على أجزاءَ من ألوانٍ متداخلة كوّنت لنا كل المعنى.
نبات يشتهي ماء السَّماء
رأيت -فور استيقاظي هذا الصَّباح- نهاية اليوم، في انكشافٍ بدا كابيًا مثل مسافة تبقّت من البحر أمام قارب صيدٍ متعبٍ لاح له أفق اليابسة، ولكن دون أي حماسةٍ لقرب الوصول إذ يعرف الصيّادُ المنهك أنّها ليست سوى ساعات قليلة حتى يؤوب إلى الرّحلة ذاتها مرة أخرى.
كان استيقاظًا بطعم التَّكرار، وسط الغرفة نفسها، بالوضعية نفسها، بالجو نفسه، بالرائحة والملمس والشعور، أشبه بدرسٍ ألقاه معلِّم عجوز آلاف المرَّات حتى أصبحت جملة «أكل أحمد التفاحة» لديه عملًا يُماثل النحنحة أو حكَّ الذقن أو التنهُّد، أعمال لا تنتمي إلى زمن بعينه، تتكرر في كل وقت، ويفعلها بلاوعي تام.
لقد كان الصباح أقرب إلى عودة جديدة إلى نقطةٍ في مسار دائري أكثر منه بداية
كان ذلك لولا المطر.
يتراءى لي أن المطر بالنسبة لنا هو بالأساس اغتسال غير مخطَّط، ولكن بذات الجاذبيَّة التي تكمن قبل كل شيء في حقيقة أنَّ المكوث المقصود تحت الماء تقوية لشعور المرء بذاته. إن كل اغتسال هو تحديد للذَّات. لا يوجد معنى عميق خلف الجملة السابقة، وإنَّما يعود الأمر إلى خصائص الماء الفيزيائيَّة نفسها التي تجعله يطوِّق أجسادنا إذ ينحدر على كل التفاصيل، والخطوط، والمنحنيات، فيرسم ويحدِّد ويصنع، في تحدُّره، إطارًا يفصل الجسد عن العالَم، عن طريق إنعاش مواضِع لربما كان المرء لينسى أنها تنتمي إليه لولا ملمس قطرة.
ذلك ما يفعله أيضًا الالتصاق بإنسانٍ آخَر، وبطريقةٍ لا تختلف كثيرًا، يُخلِّف الرَّكض أيضًا ذات الإحساس. تشترك كل هذه التجارب في مُتعة الشُّعور الأقصَى بالذَّات، التي لا تتأتَّى إلا في مقابلتها مع وجودٍ آخر: الماء في الاغتسال، الإنسان في الجسد الآخر، الهواء ومَلمس الأرض في الرَّكض.
لقد كان هذا كفيلًا بجعل اليوم يُخلَق في عينيَّ جديدًا.
كان صباح اليوم من الأوقات التي قال فيها باشلار «وأنَّ الإنسان، في بعض الأوقات، إلَّا نبات يشتهي ماء السَّماء» لقد كنت أنا النبات الذي اشتهَى المطر. ولكنَّه أوانُ الرَّكض، حين يضرب الجسدُ الأرضَ بعزم جَذرٍ مُصمِّم، وقتها يكون الإنسان حيًّا باخضرارِ شجرة حتى ولو كان يتحرَّك مُسرعًا.
في كل خطوة، في كل شعور ضاغط ينفذ في العضلات مثل صعقة كهربائيَّة، إنك تستشعر الأرض، تقبِّلها، تلتصق بها، وتغرق في حوارٍ صامتٍ ملموسٍ مع حكمة قديمة كان قد باعد بيننا وبينها بواعِد من وسائل النقل وسوء تخطيط المدن وبؤس الطُرقات، حالت دون أن نلمس الأرض كثيرًا في أيَّامنا، نحن الذين نعيش معلَّقين، بهشاشتنا وضعفنا، لأن لا أرضَ تحت أرجلنا تسند خطواتنا، نلمسها، نشمّها، ونشعر بها فنشعر بأنفسنا.
كان مطر اليوم في الحقيقة يُبلِّل ولا يغسل، لم يصنع لي إطارًا ولكنَّه ربَّت على وجودي وحسب. هذا ما جعل المتعة كلها بالنسبة لي مركَّزة في الرؤية لا اللمس أو الإحساس.
وبالرؤية، كانت الألوان التي تشرَّبت الطبيعة الحيَّة للأشياء وكأنَّما تغتذي عليها هي ما جعل منظر المطر ينبض بالحياة.
يا له من زمن حي من اليوم ذاك الذي تغلغلت إلى ساعاته قطرات المياه.
ذلك أن اللون مسارب، إنه عُمق، فاللون لا يلبس الأشياء كما قد يبدو، ولكنه يَعتلِقُ بها مثل عروقٍ تضرب بعيدًا في أرضٍ نديَّة، مما يجعل التشبُّع هو الصِفة المحدِّدة للَّون لا أي صفة أخرى، أي الصِفة التي لا يؤثِّر عليها شيء مثل قطرات المياه، ومن هنا فاللون ماء أو لا يكون، حتى في الاحتراق يظل اللون مائيًّا:
«أنخنَ لتغويرٍ وقد وَقَدَ الحصى
وذابَ لُعاب الشَّمس فوق الجماجِم»
يقول جرير في بيتٍ يغلي باللون الأصفر.
ولكم أصاب الصِّحَّة ذاك السَّطر الذي يقول إنَّ الأدبَ «نِتاجُ مطرٍ غريبٍ من الدَّمِ والعَرَقِ والمنيِّ والدُّموع» ذلك أنَّ الحياة نفسها لا يُمكن أن تكون سوى نتاجٍ لذلك: مطر غريب من مياه مختلفة تُحدد وجودنا.
لم يُشعرني شيء مثل هذا الحدث بأنني محظوظ، أن لي مطرًا وحدي، لم تعلِن عنه نشرات الأنباء ولا تداولت الأمهات مقاطعه في مجموعات الواتس، كنا وحدنا تمامًا أنا وهذا المطر الذي لم يتوقّعه أحد، حتى هاتفي لم يكن يدري بما يحصل، أُخرجه من جيبي وأستطلعُ توقعات الإمطار فيه فلا تشير إلى نسبة غالِبة، أرى أيقونة ترسم غيمة طفوليّة وحيدة ومن خلفها نصف شمس، أما الرقم فلعله كان واحد في المئة، المحصّلة أنه قد غفل كل شيء عن هذا المطر، وأنا، وحيدًا خرجتُ أركض في آخِر ساعة من الليل، أقابِل هذا الانهمار بدهشة مَديدة.
كان وقتًا ملائمًا ليبدو الأمر وكأنه سِر، كأن الغيوم تهمس لي حديثها برشاقة وسُرعة قُبلة مختلسة، كنت وحدي، كنا وحدنا، أظن المطر نفسَه كان وحيدًا، وحين سمعت قطراتِه التي كانت تقع خافتة وبلا صدى على سقف الزنك على يساري تأكدت، ثمة أنين وحيد في هذا الوقوع، حتى في خَلَل الضوء الذي انساب من باب تُرِك موارَبًا في نسيان أو انتظار، وأنا أرى قطراته متناهية الصغر التي لم أشعر بها وهي تقع علي، جزمت: هذا مطر وحيد، أو ليس مطرًا عاديًا، ثمة شيء غير اعتيادي في خِفّته وضؤوله.
لم يكن في السماء غيوم كثيفة فمن أين جاء؟ أعوّل على أن تحديقي القديم في السماء يجعلني خبيرًا بعلم سلوك الغيمات، وأقول لعلها إذن غيمة هارِبة، مرتحلة، فَصَلت -في قصةّ تستحق الرواية- عن قطيعها ثم سارت مسافات، قطعت فيافي وجابت قِفار، ثم لم تحتمل ثقل الوحدة والنأي فبكت، كون هذا المطر دموع يفسّر طبيعته الغريبة، يفسّر خِفة الوَقع وخفوت الصدى وضيق الانتشار، ربما تبكي الغيوم، من يدري؟ لا تستنكري شيئًا لأنك تجديه غريبًا وحسب، العالَم مليء بما لا نعرف ولا نتوقع، وأننا لو أنكرنا كل غريب فلن يعود في القلب مساحات للدهشة، ولا للبهجة بأحداث صغيرة وسريعة، خافتة ومجهولة، مثل مطر غير متوقّع.
لا أحد يندهش وهو يملك كامل السيطرة على نفسه، في لحظتها على الأقل، لا يُمكن أن تبقى واقفًا تمامًا، تترنَّح وتفقد توازنك ريثما تضمحلُّ آثار الصدمة الأولى، مجازًا وحقيقة.
يُمكن استنتاج تعريف سريع ممّا سبق:
الدهشة هي ألا يكون المرء في حالة اتزان، إنها تحدث حين تظل مترنحًا من الذهول والارتباك. وأن تظلَّ مندهشًا ليومين مثلًا يعني أنك بقيت تترنَّح طوال يومين كاملين أيضًا، أن تكون شِدَّة هذا الشعور هي نفسها لم تخفت بمرور الوقت، يعني أنَّك لم تزل على نفس حالة الذهول برغم مرور الوقت الذي يُفتَرض أن يُضعِف منها، ولكنه، لأمرٍ مّا، لا يفعل، ولأنه، لأمرٍ مّا، قد فقد قوّته.
“أمر مّا”؟
تبعث الدهشة، بما هي حيرة وارتباك، على السؤال، ولكن من ناحية أخرى ميزة الدهشة الأساس هي أنه لا يُمكن تفسيرها، ويكمن جوهرها بالضبط في هذه الحقيقة: أنها غير قابلة للفهم، أنها تصدم وتذهل وتحيِّر.
هذه الطبيعة المزدوجة للاندهاش، هذا التردد بين السؤال الحتمي والإجابة المستحيلة، هو ما يستنزف أي قدرة على التفكير، ويتركك، لأمرٍ مّا، ومثل الوقت تمامًا، قد فقدت قوّتك.
(2)
مثلما يليق بظاهرة تحمل كل ذلك القدر من الدهشة، الاصطدام أيضًا هو ما يجعل السماء تكتسب لونها الأزرق.
التفسير الفيزيائي لهذه الظاهرة يُدعَى تشتت رايلي.
تتبعثر جزيئات ضوء الشّمس إثر اصطدامها بجزيئات في الغلاف الجوّي مشكّلة هذا الانتشَار البهيج لدرجات الأزرق فوق رؤوسنا.
في محاولة جديرة بالثناء سعى العلم إلى أن يعطي هذا المنظَر وصفًا لا يقل إبهاجًا عن مرأى اللون نفسه فسمَّاه بـ”إشعاع السّماء المنتشِر”.
ليس الأمر و كأن كلمة سماء وحدها غير كافية في إحضار معنى الزُّرقة، أو أنه بمقدورنا من الأساس أن نتحدث عن سماء منفصلة عن اللون، ولكن هذه التسمية كفيلة بأن تملأ يومك أحلام يقظة لا تنتهي، وأن تدفعك إلى إخراج رأسك من النافذة والنظر إلى إشعاع السماء المنتشر هذا.
(3)
في كتابها A Field Guide to Getting Lost تكتب ريبيكا سولنت عن شيء تسمّيه أزق المسافة.
تقصد اللون الذي يبدو من البعيد في غُلالَة شَفيفة حول المناظر القصيَّة، في آخِر المَدَى دونَ حافَّة الأفق وفوق ذُرَى الأشياء.
يمثِّل أزرق المسافةِ المنطقة المستحيلة. الأفق الذي يبدو ولا يُمكن الوصول إليه، بوصفه حلمًا خالصًا وسعيًا خلف شيء لا يُمكن تحقيقه.
أزرق المسافة إذن هو رمز إلى كل رغبة خالصة بلا محتوى، إلى البعيد الذي لا يُلمَس ولا يُطال، لأنه، إذا ما تم الوصول إليه، فإنه سرعان ما يستحيل إلى شيء آخر، ينتقل مع الأفق الذي لا يكون إلا فوق المتناول. أزرق المسافة حلم نقي، هو كل شيء يُراوح بين الحقيقة والخيال. تدفعنا هذه الحيرة واللاتحدُّد إلى أن نُسائل وضع أزرق المسافة الوجودي.
هل أزرق المسافة موجود؟ نعم ولا. موجود كرغبة وهدف، وغير موجود كتحقق ووصول، يبدو مثل عتبة لونية تربط بين عالمنا وعالَم مسحور، نرى نصفه في الأفق ولا نرى النصف الآخَر إلا إذا أغمضنا أعيننا.
أعتقد أنّ اللون بالفعل يُمثِّل هذا البُعد الغامض الذي يُضفي على الأشياء معنى الرغبة الخالِصة. اللون أخو المسافة في جعل الشيء غريبًا وبعيدًا. وحين يجتمعان معًا في وجود واحد، لا يُمكن سوى أن يحترق المرء بلهيب رغبة مستحيلة غير محددة.
(4)
نتيجة اصطدام أزرق أيضًا لا أزال تائهًا منذ يومين، أقضي أوقاتي مندهشًا، متأمِّلًا في قُدرة اللون، ولكن الملامح أيضًا، على أن تثير الدهشة وتَهَب المعنى.
في البداية هنالك العالَم ممتدًا أمامك وجسدك الذي هو أيضًا العالَم ولكن ملتصقًا بك: أنت تركض والهواء يعبره، الأرض تدفعه إلى الأمام، اللون والليل ينهمران عليه ويُغرقانه في طوفان حِسِّي غامر يُحدِّدُ الأبعاد والمسافات، وهَمَسات الأشياء، قريبةً وبعيدة، تُكسِبه إدراكًا بالأبعاد الثلاثة التي هو فيها.
في مرحلة البدايات، في الدقائق الأولى من الركض، تبدأ تشعر بأنك، بأن جسدك بالأحرى، محض مَكَنة، شيء مُنفصل ومستقلٌ عنك. آلة تدور وتعمل وفق طُرقها الخاصة، في دخول الهواء وخروجه كما آلةٍ بخاريَّة، وفي الحرارة الكامنة المخنوقة تحت الجلد قبل التعرُّق، وفي نبضِ القلب الذي تكون واعيًا به تمامًا كأيِّ إيقاعٍ جديد لم ينتقل إلى اللاوعي بعد.
لم أتمنَّ قط أن لي معرفة بتشريح الجسد البشري قدر ما أفعل في هذه المرحلة. وددتُ لو أنِّي أعرف بعض الأسماء، لو أن بحوزتي كلمات وألفاظ قليلة تسمح لي بأن أضع حدودًا واضحة بين الأشياء. بين المفاصل والعضلات والأعصاب، أين يبدأ كل منها وأين ينتهي، وماهي طريقة حركتها بالتحديد، وكيف تتضافر سوية في خلق هذه المرونة الفائقة التي يتحرك بها الجسد. ولو أن في ذهني خريطة لمسارات العروق فأشعر بالدماء تسري بداخلها مثل ينابيع عديدة عوضًا عن إحساسي الحالي بالدم كسائل كثيف ممتزج يَهدِر ساخنًا ولاذعًا في سائر الجسد مثل حمم بركانية.
بلا أسماء، بلا حدود، كنت أدرك جسدي كُلًا مُندفعًا، كتلة ملتهبة وفَيض من الطاقة أكثر منه آلة مركبة من أجزاء متعددة.
(2)
أربعون دقيقة من الركض.
يتضبَّبُ المَدى بالملح والعرق، تنكمش الحواس على نفسها كما لو أنها تأخذ غفوة، ينقطع فيض الإحساس المتواصل وينقلب إلى ذبذبات توحي بانهيار غلاف الأشياء من حولي كأني وصلت إلى نهاية الخريطة في لعبة فيديو. شعور مبهم بأنّي أقتربُ من المكان الذي هو خارج المكان، إلى البياض الشَّفيفِ حيث تندمج الأرض بالسماء في كُلٌ دائريّ واحد مثل ثعبانين يتزاوجان.
وَثبة تنقلني من التركيز على كُتلة العضلات المحمومة الملتهبة التي تقطر عرقًا إلى التركيز على أصفَى الأفكار المجردة.
تغيبُ كل الأفكار التي تتتبَّع الحركة الفيزيائيّة، وأنتقل بتركيزي إلى أمور أخرى، عوالِم أخرى بالأحرى، وأبدأ أشعر بالروح نفسها ترتجُّ، قفلٌ مَّا يتحطم وتخرج الروح، كما لو أن الحركة العنيفة المتَّصلة تنسرب إليها على نحوٍ مَّا، ويغيب العالَم والجسد معًا ويمتلئ الأفق بأفكار لامادِّية خالصة.
لا أدرك بعد هذه اللحظة سوى خيالات مبهمة حول أطيافٍ تدور، وبلاد قصيَّة لا تقع في أي خريطة، وجماعاتٍ ترقصُ، حلقاتٍ حلقات، في همسٍ متَّصل مثل طنينِ سربٍ من الدبابير.
ضبابيَّة المدى واختلاط مجال البصر، صوت اللهاث الذي هو المسموع الوحيد، علامتان أشبه بإعلان عن لحظة حميميَّة خالِصة يذوب فيها الجسد تمامًا، يستحيل قطرات ويسيل مندمجًا في شيء آخَر غيره.
لو كنتُ سأعبِّر عن هذا الإحساس أوفَى تعبير فسأختار أن أرسمه، سيبدو مثل لوحة انطباعيَّة ينماع داخلها جسمٌ مّا في الخلفيَّة كأنَّه خارج منها لتوِّه أو هو آيبٌ إليها وعلى وشك أن يفقد ذاته فيها.
(3)
ولكن الركض تجربة.
صافية نقيَّة مثل أي فعل جسدي بالكامل. أعتقد أي محاولة للكتابة عنه أو شرحه أو تأويله بأي وسيلة ستبدو عملًا باهتًا وتفتقد المُباشَرة والحرارة التي تحملهما التجربة.
أتعامل مع الأيَّام بهدوء، يمرُّ اليوم في طمأنينة غافية وصافية، أتراءَى لي على متن قارب خشبي صغير وسط بحيرة ساكنة تحيطها ضِفاف منحدرة، وفي الخلف، فيما وراء الضباب العائم فوق الماء، تتبدَّى أشجار بلّوط خَضِرة إلى آخِر الأفق، وأنا ثَمَّة وسط البحيرة، أجدِّف برفق وأناة كمن يخاف أن يجرح الماء، أربِّت على صفحة الماء كما أفعل مع حيوان أليف. هكذا تخيَّلتُ شكل أيّامي وهي تمضي بدون أن أحاول معرفة أساس صورة البحيرة وأشجار البلوط بالضبط -على الأغلب أنها نتيجة تداعي ذكريات وأفكار راحت تنثال بلا رابط تجمع بين مشهد من مسلسل الصياد الصغير وبين أوصاف هيسه للغابات الألمانيّة التي لا أدري، حقيقة، إن كان بها بلّوط أم لا-
مرَّ أكثر مما لا أدري كم من الأيّام منذ صدر قرار منع التجوّل، ضعفت لديَّ القدرة على تمييز الأيام فيما يبدو، فكل ما يحدث منذ ذلك الوقت هو يوم واحد يُعيد نفسه: أستيقظ وأجلس في البيت وأفعل أشياء طال العهد بها. أتمنى لو أجد في اللغة فعلًا يفي بوصف ما كنت أفعله، سأقول مُخترعًا لفظة جديدة لا بدَّ منها، إنني “أتبيَّت” في البيت، أفعل الأشياء التي لا تحدث إلّا في المنزل، وإلا في الأوقات التي يبهت فيها الإحساس بالأيَّام، مثل الذي يحدث في الإجازات الصيفيّة من أيّام المراهقة، أيَّام خاوية من أي غاية سوى التبطَّل، تنبثق حياة كاملة وتغيب مع كل شمسٍ جديدة وتُنسى إلا من ذِكرى أنها مرَّت. بدا الأسبوع قادمًا من فترة ماضية من حياتي، لم أقابلها بالاستياء الكامل ولا بالرضى المُطلق، وإن كنتُ شعرت بأني اقتربت من نفسي كثيرًا ورجع إليَّ جانب مني أوشكت أن أنساه.
أمَّا أقوى آثار الجائحة فقد دخل إلى أيَّامي على شكل وعيٍ جديد راحَ يسحب الأشياء إلى مَجاله، مثل كشَّافٍ تتسع بؤرته ونطاق ضوئه: يكبر مجال الضوء ويدخل في دائرته ما كان خارجها. أعني نوعًا جديدًا من الإدراك يتركَّز على تصرفات وأفعال ومشاهد لطالما كانت مما لا يُنتبه إليه، أشبه بانقلابٍ مّا انطلق يعبث بطريقة تلقّي الحواسّ للعالَم واهبًا الحياة منظورًا آخَر ومُنعكِسًا في كل ما أراه وأسمعه أو أخبُره نفسي، فتشدني مثلًا، وعلى نحوٍ غريب ومفاجئ، لقطة من فلمٍ مّا حيث يبدو أحدهم وهو يضغط على أحد الأزرار، وأتعجّب بعدُ إذ أرى هذا الفِعل، الموغل في العاديّة، وهو يدخل إلى عالم أفكاري مُحدثًا فيه حركة وأسئلة وتأمّلًا ذاتيًا طويلًا، وكان حقّه أن يمضي مجرّد خلفية لأفعال أهم، مجرَّد زيادة وفائض يوجد لتتسق به الأشياء، مثله مثل فكرة العالم الخارجي عند شخصٍ يجلس وراء جدران غرفته، لا يعنيه العالَم بحد ذاته وإن كان لا بد داخلًا في تفكيره.
ألاحظ هذا الوعي الجديد وهو يستولي عليَّ بينما أشاهد اثنين يتصافحان في مسلسل مّا، أتوقّف عند هذا الفعل مثل أنثربولوجي يرى إلى طقوس قبيلة بدائيّة ويذهب يتعجَّب من أمر هذا الفعل الغريب ويسأل ويؤوِّل ويضع النظريات والتفاسير: كيف نشأ ومتى وما معنى أن يُقدِّم اثنان أيادي بعضهما إلى بعض من أجل أن يضغطا عليها ويلمساها، ثم يخطر لي سؤال: هل كان يدور في خلد صانع المسلس أن ما سيجذب انتباه أحدهم في عمله هو هذا الفعل التافه بالذات؟
وأجدني أنتبه لأول مرة -وبامتعاض- أنه من الصعوبة فتح الأبواب بقدمي، فيبدو لي تصميمها بائسًا ويذهب بي الخيال إلى صورة باب له مَركَل -على وزن مِقبض- يُسهّل عمليّة فتحه بالقدم.
وفيما أنا أتأمَّل شريط الأخبار الذي لم يكن يعرض رغم تنوّع مجالاته وموضوعاته إلا أحداثًا لها صلة مّا بالجائحة، من الرياضة إلى السياسة إلى السياحة إلى أخبار التبرَّعات وتقارير الإصابات، أفكّر كيف سيبدو الأمر مِن منظور التاريخ. سيبدو الوضع رهيبًا فوق ما هو عليه، وذلك حين يُقاربه مِن لم يعش هذا الحدث في حينه ويخبره في آنه: ستتوالَى أمامه، مثلما يحدث على الشريط، أعداد الإصابات والتقارير والتأجيلات والتوقعات متلاصقة متتالية، تضغط الوقت وتُميته، يجرّ بعضها بعضًا في تتابع سريع وخانق وتملأ، في خيال ذلك المتلقّي الآتي من البعيد، أيام الأزمة بأسرها كما يملأ الماء وعاءً. وسواء مرَّ بهذا الوصف في كتب أو حكايات، بدا لي أنه ستخلو الأشياء من تنوّع الحياة اليوميّة المُذهِل والتجربة المباشِرة لمن عاش الحدث، فيختفي أثر الأزمنة والأمكنة الفعليِّ الذي يمدَّ ويمطِّط الأحداث على جغرافيَّات وأوقات متباعدة فيما بينها، فلا تبدو وكأنها تفجّرت دفعة واحد في كل مكان وفي ذات الوقت كما يشعر المشاهد للشريط الإخباري. وفكَّرت، وأنا أحتسي ما تبقى من فنجان القهوة، أن هذا هو بالفعل كل ما يجده المرء في كتب التواريخ، تحذف الأشياء التي لا بد منها وكل ما يتبقى هو هذا السرد الخاوي من آثار التجربة اليوميَّة، أعني هذا المرور البطيء للزمن، تيّار اللحظات الذي يغمر الإحساس ويستولي عليه، والذي، فيما يبدو، لا يُمكن نقله بأية حال.
بينما هو يكتب “والدن” رفض ديفد هنري ثورو فكرةَ أنَّ الروحيَّ والعمليَّ أمران متضادان قائلًا: “إذا ما شيّدت قلاعًا في الهواء، فإن عملك هذا ينبغي ألَّا يضيع. إنها هناك حيث ينبغي أن تكون. لكن ضع الآن الأساسات تحتها”
بعد الأنباء حول أنَّ الأعمال الكاملة لاستديو جيبلي ستصير متاحة على نتفلكس (صدرت على دفعات منذ فبراير وحتى أبريل) جلستُ لمشاهدة وإعادة مشاهدة كلاسيكيّات الأنمي اليابانيّة، وقد وجدت كلمات ثورو ترن في أذنيّ. ذلك يعود في بعضه إلى أن استديو جيبلي قد أنتج فلمًا ساحرًا يدور بأكمله حول تلك الصورة بعينها (لابوتا: قلعة في السماء 1986) ولكن أيضًا لأن نظرة ثورو تؤكِّد على أحد الأسباب الأساسيّة خلف إغراء الأنيمي: فإن أحلامها، مهما أمعنتْ في الخيال، أبدًا ما تكون راسخةَ الأساس لا محوّمةً بلا رابط، وإن مشاعرها، وإن كانت على أرقِّ ما تكون، فهي كثيرًا مَّا تأتي بمسحةِ حُزنٍ أو شوق، أو، في أقل الأحوال، بشَوبٍ من النقصان، أمَّا شكلها الذي تكون عليه في واقعيّتها السحريّة فهو يضع أهمية عظيمة في واقعيَّته بقدر ما يأسر بمشهده السحريّ.
إن محاولةَ شرح لم كانت أفلام استديو جيبلي بعيدة الصَّدى يتعارض مع الروح الشعرية لهذا الاستديو، حيث دائمًا مَّا يُترَك فضاءٌ مُبهَم تسبح فيه مخيّلة الجمهور.
بيد أنّ ثمة شيئًا يستحق الامتحان في تأكيد الشريك المؤسس للاستديو وعملاق الأنيمي هاياو ميازاكي على أنَّ “خلقَ عالمٍ واحد يأتي من عدد هائل من الشذرات والفوضى”. إذ ليس هنالك من نقصٍ في الفوضى الظاهرة في أماكن الأفلام الغريبة، أو في الطقوس والمخلوقات، ولكن من أين شيء، أو من أي مكان تخرج تلك الشذرات؟
إنها يابانيّة الجوهر، فالأفلام تمضي عميقًا في تاريخ البلاد وفلكلورها وخرافاتها (على سبيل المثال، الموكب لعملية الشبح يوكاي في بوم بوكو 1994) وحكاياتها، سواء من الخيال أو الذاكرة. هنالك دائمًا نقطة مرجعيّة في الواقع، أو، على الأقل، في اعتقاد تاريخيٍّ أصيلٍ مّا، فمما يُذهِل أن تجد مقابِلًا معماريًا واقعيًا لمرجعٍ فلميِّ، مثل مبنى نوتويا ريوكان الذي كان بمثابة الإلهام لما كان سيكون من عالِم آخَر، أي بيت الاستحمام في سبيريتد أواي (2003)
بتوجيهٍ من ميازاكي وزميله المؤسس الراحل إيساو تاكاهاتا، فإنَّ الخلفيَّات والمناظر الطبيعيّة اليابانيّة المُذهلة لأفلام استوديو جيبلي إنّما كانت نتيجةً لدراساتٍ مباشرة في الميادين: من الأراضي الزراعية في بالأمس وحسب (1991) ]مطر الذكريات في إحدى الإصدارات العربيّة[ وحتى استكشافات القِفار والبراري التي أثْرَت ناوسيكا (1984) والأميرة مونونوكي (1997). لم يكن الهدف من مثل هذا البحث المكثف تحقيق الدقّة الجمالية فحسب، ولكن فهم الكيفية التي تعمل بها هذه البيئات وإمكانية التنقّل فيها. جزء من صفة الامتلاء بالعاطفة التي يجدها المشاهدون في أفلام استديو جيبلي تنبع من التعاطف والإحساس الظاهر، ليس بالشخصيّات وحسب ولكن بالبيئة المحيطة، وكيف يحتاج كلاهما، أي الشخصيات والبيئة، إلى بعضهما بعضًا في سبيل النجاة.
هناك علاقة تكاد تكون إحيائيِّة (animist) بين الشخصيّات والبيئة، علاقةٌ تتعرض للتهديد مرارًا وتكرارًا: من خلال التنمية (بوم بوكو) والحرب (قبر اليراعات 1988) والتلوث (التسمم بالزئبق كما حدث بالفعل في خليج ميناماتا وهو ما أعطى ناوسيكا انطباعات تراجيدية ولكن غامضة).
ومع ذلك، وبالنسبة لظاهرة ثقافية تبدو وكأنها إنِّما تجسِّد قوميَّتها، فإن اتساع استوديو جيبلي لهو مما يثير الإعجاب أيضًا.
وإنَّ نزعة استغراب غنيَّة، ولو ذات طابِع رومانتيكي، تجاه أوروبا لتظهر في شكل عطاء، فحتى عوالم ]الاستديو[ القويَّة الأثر تبدو مستوحاة -من الناحية الشكلية- من ملصقات الخطوط الجوية القديمة.
ويمثِّل الكولاج الأوروبي، الذي يُشكل مدينة كوريكو في فلم كيكي (1989)، رؤية ميازاكي المبنيِّة على دراساته المباشرة للمدن الأوروبية، ولِمَا كانت ستكون عليه هذه القارة لو لم تمزَّق نفسها في حربين عالميتين.
ومن أبلغ الأشياء أهمّية أن استوديو جيبلي يتعمّق ما وراء السطح. فعند إنتاج لابوتا: قلعة في السماء، على سبيل المثال، سار الاستوديو على درب جوناثان سويفت في رحلات جاليفر (1726) في سؤالهم: ماذا سيصنع الناس إذا هم تمكنوا من الوصول إلى قوى سحرية؟ لم تكن الإجابة يوتوبيَّة. يكمن هذا في جوهر استديو جيبلي وكيف أنَّ افتتانًا بما يدور في قلوب الناس هو ما يوحِّد مجمل أعمالهم الساحر والمتنوِّع. وليس ذلك مما يستدعي الاستغراب على الإطلاق، إذ تجده حتى في فلمٍ مناوئٍ للحروب مثل قلعة هاول المتحركة (2004) ولو أنه بكل تأكيد ثمة روح ضعيفة في هذا العمل.
وإذ شَهِد هاياو ميازاكي بنفسه إضراب عمال المناجم الويلزية عام 1984 ، فقد كان مستحثًا ليدمج المشاعر والبيئة التي رآها هنالك في فلم لابوتا: قلعة في السماء.
إن المجازفة الكامنة في السرد القصصي الخيالي هي أنه، بما أن أي شيء من الممكن أن يحدث فيه، فإن ذلك قد ينتهي بالقوة العاطفية والتوتر الناتجان عن السيناريوهات الخطيرة إلى أن يضيعا. وبرغم أن الشخصيات قد تكون قادرة على فعل كل أنواع الأشياء الغريبة في أفلام استوديو جيبلي، إلا أن تواصلها الفعليَّ مع المشاهد إنَّما يتم عندما تواجه الشخصيّة حدودًا أو عدم يقينيَّات أو عقبات. فحتى الطفولة تبدو مكانًا للكوابيس والأعاجيب معًا، وفي فيلم ساحر مثل جاري توتورو (1988) ثمَّة جانب مظلم: فإن غياب الأم ومرضها الشديد في القصة يلقي بظلاله على الفيلم، وذلك مثلما حدث في طفولة ميازاكي، حيث نُقلت والدته إلى المشفى لفترة طويلة من الوقت جرَّاء مرضها بالسل. لم ذلك الفلم سيرة ذاتية، لكنه ليس محض خيال أيضًا.
ولعل السبب الذي يجعل المشاهدين يستثمرون بعمق في هذه العوالم الخيالية ظاهِرًا، لعل ذلك يعود إلى مفارقة إخلاص الأفلام للحياة الحقيقية.
في ديسمبر من عام 2016 ظهر مقطع فيديو على موقع يوتيوب، حيث قدَّم ممثلو شركة تكنولوجيا متحمِّسون عرضًا لميازاكي: نموذجَ رسمةٍ ثلاثيَّة الأبعاد يُشبه الزومبي يجرُّ نفسه بطريقة غريبة على الأرض، آملين أن يحوز العرض على إعجاب ميازاكي بما له مِن تأثيرٍ صادم. وإذا به يرد عليهم بالإشارة إلى صديقٍ له معاق، وكيف أنَّه من الصعب على هذا الصديق أن يقوم بمجرد تحية بسيطة. يقول: ” أيًا يكن مَن صنع شيئًا مثل هذا فهو لا يدرك معنى الألم حقًا(…) إنّني أشعر أعمق الشعور أن في ذلك إهانة للحياة نفسها”.
إنه مقطع طريف على نحوِ مؤلم، نظرًا لمحو حماسة أولئك، لكنّه مّما يُوضّح نزاهةً ثابتة في أعمق أعماق استديو جيبلي.
إنَّ رفض اليقينيَّات الزائفة -والخطرة- حول الخير والشر، والأبطال والأشرار، والكبرياء والهوان، تلك هي العوالم التي تنمو فيها الشخصيات واقعةً في الأخطاءِ مكفرةً عنها، عوالمَ فيها يخاف الناس ويتشككون بيد أنَّهم يغامرون في المجهول على أيَّة حال، إذ يوجد الحب والجمال على الرَّغم من كل الأشياء.
وأفلام جيبلي، مهما أمعنت في الخيال البديع، فإنَّها تعلّمنا أهمّية العيش خارج كذبة الوهم المريحة.
محاولات لإنقاذ التجارب الزائلة في الحياة اليوميَّة
الأحد 2:30 فجرًا:
لحظةُ إشراقٍ مباغتة. تفاؤل مجهول الأسباب ينفجرُ فجأةً أثناء تشغيل ماكينة القهوة: بلا مقدمات راح الوقت- الذي كان قبل قليل ضيّقًا ولا يكفي لتسليم المطلوب غدًا في الجامعة- راح الوقتُ يتّسع، وبَدَت الحياة تستحقُّ العيش ومليئة بالاحتمالات التي يمكن أن تتحقق، آلاف العوالِم انبثقت أمام ناظريَّ، انفجرت كأنما مِن ناظريَّ بالأحرى، وراحت تترامَى إلى البعيد، طاويةً في طريقها كل شيء عَدَا التباشير. لعلَّي أستبدل استعارة الانسحاب- كأنَّما في دوّامة- باستعارة الانفجار. يبدو الانسحاب أدق، فلم تكن تلك الخيالات شيئًا له صلة بالواقع، لم يكن لها محتوىً مكانيّ على الإطلاق، بدت أحلامًا مُصفَّاة من كل شوائب الواقع بما فيها الزمان والمكان، مثال نموذجي للعوالَم والأشياء الباطنيّة. متأكد الآن، وأنا أكتب بعد انقضاء اللحظة بمدّة، أنه حتى فكرة الموت نفسها، فكرة أنني زائل اختفت من وعيي تمامًا في ذلك الحين. يبدو أنَّ هذا هو أقصَى ما يُمكن بلوغه في كل مسعىً بشريِّ: نسيان الموت، نسيان عمل الزمن ولو لوهلة. ليست اللذة، إذن، غياب الألم، ليست حسابًا براغماتيًا لوحدات محدَّدة منفصلة، إنها النسيان، نسيان حتى فكرة اللذة نفسها، التلاشي في الكل، الاضمحلال إلى لاشيء على إيقاع حبوب البُن وهي تُطحَن.
الأحد ظهرًا:
مباراة الهلال. يقينٌ تام بأني أمام لحظة تاريخيَّة سأتذكَّرُها مِرارًا في المستقبل. ليس على مستوى عموميَّة هذا الحدث نفسه -حقيقة أن الهلال أخذ أخيرًا بطولة آسيا- ولكن بكلِّ التفاصيل اليومية الصغيرة التي اتفَق أنّي كنت فيها في ذلك الوقت: لقد أنقذها هذا الحدث، ولو باعتباطٍ صارخ، أنقذها من النسيان. لم تكن تلك التفاصيل شيئا في ذاتها، مجرد وقوعها في نفس وقت المباراة كان يعني أنها ستخطر ببالي كلما جاء ذكر هذا الحدث. كان ثمة شعور يُشبه الحماسة نابع من إحساسي بأني أفعل شيئا باقيًا، أعني أن هذه اللحظة ستبقى في الذاكرة. لم أمر بهذه الحال كثيرا ولا أعرف لها اسمًا، حال أن تعيش أمرًا مّا في ازدواجٍ زمنيٍّ حيث يبدو حاضرًا وماضيًا في نفس الوقت. أمرٌ آخَر، ذلك الجو المنتشِر في مختلّف الأماكن، الجو الواحد الذي ظَهَر في حيثُما اتَّجهت، كل شيء كان يدور حول المباراة كأنها حدث كوني هائل، كل السياقات المختلفة اتَّحدت في ذلك الوقت، التقت خطوطها في نقطة واحدة. تعمل المباراة نفسها أمامي على اللابتوب، وأجد التغريدات حولها في تويتر، والرسائل في الواتس والمنشورات في انستقرام، بدا تجاهلها مستحيلًا حتى بالنسبة إليَّ أنا الذي لا أهتمُّ بكرة القدم أصلًا.
الإثنين 1:35 ظُهرًا:
مُحاضرة مملَّة. تتشكَّل- نتيجةً للُعبةَ مُسارَقَة النظر إلى الجوّال دون أن ينتبه الدكتور- حالة من عدم الاتّساق في العالَم من حولي. سلسلة لا متناهية من عمليَّات الاتصال\الانفصال تسبِّبها دُفُعَات من الإدراك المجتزَأ للظواهر القادمة من عالَمين مختلفين مما يُحدِث ضَربًا من الالتباس عند أيّ محاولة لرد إحساسٍ مّا إلى سببٍ بعينه. لم أدرِ، على سبيل المثال، هل كان شعوري بالارتياح النسبيّ وقتها آتيًا من درجة الحرارة المعتدلة أم من جَرْس لفظةٍ انْسَرَبت إلى أُذنيَّ من المحاضرة واندمجت، على نحوٍ مثاليٍّ، بملمَس الشاشة تحت إبهامي: كنتُ أحسُّ بها في أذني الداخليَّة، انثناءات في أحرف الكلمة، تتمطط في أشكال لولبيَّة نحيلة-لا أذكر ما هي الكلمة تحديدًا- وبمَلمسها الصلصالي تحت إبهامي، ولسبب مَّا كنت مقتنعًا بأنه ملمَس خط الثُلث.
يتحرَّك الطالب الجالس أمامي فأحتاج إلى أن أعدِّل جِلستي تبعًا لكي أبقى في ظله ولا يظهر الجوَّال. تتناثر من جرَّاء هذه الحركة بقايا انتعاشٍ عِطريَّة عالقة من أغنية (Another Day Of Sun) التي كنت أسمعها في الطريق. فأهزُّ قدميّ على إيقاع الأغنية التي أخذت ترنُّ داخل رأسي. بدا الوضع، في المُجمل، مثل قصيدة لطيِّب الذِكر مالارميه. خيطٌ من الشعور الثابت كان يُبطِّن كل هذه التقلُّبات، شعور اطمئنان غريب ناتج عن اكتشاف أنه من الممكن أن يكون المَلل لطيفًا، مللٌ متسكِّع رائق المزاج، يُشبه حنين محمود درويش، له بلد وعائلة وذوق رفيع في تصفيف الأزهار البريَّة.
الإثنين 3:00 عصرًا:
يسيل الوقت، وقت كثير يجري بهدوء وتصميم ينبوعٍ يحاول أن يكون نهرا.
مكان، حيِّز بالأحرى، عادي رتيب لا شيء فيه يثير الانتباه ويوم من ذلك النوع من الأيَّام الذي تمارسه بلاوعي، يوم باهت من أيَّام وسط الأسبوع ومهمّة روتينية.. روتينية، ر و ت ي ن ي ة، هذا أنسب وصف، روتينيّة -آسف، مستمتع بمدى دقَّة انطباق الكلمة على المعنى، مثل تركيب جزئين مناسبين لبعضهما تمامًا، تخيَّل أنك تلتقط قطعة ملقاة على الطريق وتجد في جيبك قطعة أخرى تناسبها كأنما مصنوعة لها بالضبط- للمرة الأخير، روتينيَّة، فالمرادفات الأخرى، ملل سأم طفش…الخ، تعني أن هنالك شيئًا مَّا يستأثر بانتباهك، بينما الروتين شيء يحدث من تلقاء نفسه تقريبًا، مكرر ولا يحمل أي صفة جوهرية إلى الحدِّ الذي لا يُمكن للذاكرة معه أن تستبقي شيئًا، لا تجد ما تُمسكه في حادثة فرديَّة بعينها من هذا النوع، محض تكرار لشيء يبدو أنّه لم يعرف قط دهشةَ المرَّةِ الأولى، كأنَّه كان يحدث منذ كان بلا ابتداء، لذا تختلط الأمور ولا نعود نستطيع التفرقة، في أعمال من هذا النوع، بين شيء حدث قبل أسبوع و شيء حدث قبل شهر، اللهم إلا بأمور لا دخَل لها بالفعل نفسه، أمور ترجع إلى ضعف في تجريد الفعل عن غيره لا أكثر، أمَّا الفعل في ذاته فشيء لازماني إلى حدٍّ بعيد.
الثلاثاء 8:23 صباحًا:
في المطعم الجامعي، تقع عيني على صفحة جريدة معلقة داخل علبة إطفاء الحريق. لسببٍ مّا، قرأتُ الخبر الظاهر في الصفحة باهتمام مُفرِط لم أدرك تعليله: ببطء وأناة -لا تقل عن تلك التي أمضغ بها الطعام بغرض تأخير العمل- مررتُ عليه حرفًا حرفًا كأنَّما أمام رسالة تخصّني، شعور غريب بأن الكلمات تحمل معنىً مّا أو إشارةً لأمر سيحدث اليوم، مثل لقطةٍ في فيلم تظهر فيها صفحات الجرائد لتقول شيئا له صلة بالأحداث، هذا جعلني أرى نفسي من منظور شخص ثالث، أو ربما أن الأمر بالعكس: رأيت نفسي من منظور شخص ثالث بدايةً فرُحتُ أعطي كل ما يبدو في المشهد معنىً( في الحقيقة إن فكرة عيش الحياة بهذه الطريقة، مثل فلم، تجعلها أكثر جوهرية وكثافة)أفكِّر، غالبًا للأمر علاقة بالطريقة التي وُضِعَت فيها الصفحة، بالأجزاء الظاهرة والأجزاء المخفيَّة: تعمل علبة المطافئ كإطار يحدد المهمَّ الظاهر، أمَّا الأطراف وراء الإطار فتعطي إيحاء الصفحة دون أن يكون المرء متأكدًا مّا إذا كانت لها تكملة فعلًا أم أنها مثل العوالم الموجودة في اللوحات، مثل بيت يلوح في عُمق اللوحة، يبدو، لوهلة، مفعَمًا بالأشياء والذكريات، ولكنه ليس سوى تداخل بين تدرُّجات لونيّة مدروسة. تلمع في ذهني فكرة: الأمر كلّه إذن في الإطار، في مفهوم الإطار نفسه، في الثنائيَّة الحادَّة التي تفرضها فكرة الإطار على وجه التحديد: ما هو بالداخل وما هو بالخارج. المسافة بينهما هي الإطار نفسه، مسافة\مساحة سحريَّة هي الأساس لكل حُلم وأمل ونظام في الحياة.
الأربعاء:
لا شيء، ينتصر الزمن اليوم
الخميس 3:10 فجرًا:
أقرأ في حالة بين النوم واليقَظَة، في مثل هذه الحال لا أهتم بمحتوى المكتوب أبدًا، فكل سطر، كل جمل مرصوفة خلف بعضها ستعطي التأثير نفسه: تمر عيني على السطر، فتنفجر ذكريات، وأحلامُ ذكريات، وذكرياتُ أحلام -نعم، يوجد شيء مثل هذا- وروائح قديمة ولمحات مبهمة، وصور مشوَّشة، وملامح لشخصيات أنمي شاهدتها، وتخيُّلات لأماكن روائيّة، وأصوات بدرجَات فوق صوتيَّة، أصوات ملوَّنة، كل هذا بدا خارجًا من نصف سطر، ويحدث في لمحة -هذا هو أعمق إحساس في القراءة لا شيء آخر- يحدث في لا وقت، ومن وصفٍ لحركة تافهة من حركات سوان الأب: “اكتفى بحركة كانت مألوفة لديه كلما خطرت في باله مسألة شائكة بأن يمر يده على جبينه ويمسح عينيه وزجاج نظارته”
الخميس صباحًا:
فرع البنك في الجامعة. تسحرني فكرةُ أنَّ الفرع يقع في داخل الجامعة ولكنّه لا ينتمي إليها. تبدو النقلة بين داخل الفرع وخارجه أبعد بكثير مما هي في الواقع، المسافة بين داخل الفرع وخارجه لا تحددها عتبة الباب أبدًا، إنها أقرب إلى انتقالات عالَم هاري بوتر، حيث تكفيك قفزة واحدة لتنتقل من العادي إلى العجيب. يعمل تلفازٌ معلَّق في الأعلى. لا أحد يشاهده، يندمج بالخلفيَّة تمامًا مثل لون الجدران والإضاءات الصغيرة ونبات الزينة، أنا نفسي أفعل هذا الشيء بعض الأحيان، أشغِّل التلفاز في البيت برغم أنّي لم أعد أشاهده منذ مدة طويلة، أتركه يمارس مهمته الجديدة كعنصر ديكوري محض. تنتشر في الفرع موسيقا فواصل قناة العربيّة حاملة جوًا بيتيًا ألقى عليَّ شيئًا من الاطمئنان، شيء له علاقة وثيقة بالسفرة العائليَّة وصباحات المدرسة ودفء حليب الصباح. يغمرني إحساس أن المدرسة تبدو بعيدة جدًا، وراء هذه الفكرة تأتي فكرة أخرى، تبعتها كأنَّما ظلها، فكرة أني اليوم في البنك لأني من أقدم دفعة في الجامعة بحسب عدد السنوات المطلوبة للتخرج، يعني أني من القلائل الذين يعيشون سنتهم الخامسة منذ دخلوا الجامعة، ويعني أيضًا أني حينما أقابل طالبًا مَّا في الممرات فسأكون غالبًا أكبر منه.. اللعنة، لقد كبرت بشكل لم أتخيَّله على الإطلاق، كأنَّه لا يكفي أن أكون في الجامعة حتى أكون مِن أكبر مَن فيها.